بين طغيان المادة وفقدان الروح.. لماذا يحتاج الإنسان المعاصر إلى التصوف

بقلم : أ . أحمد المهيدى 

لم تعد حاجة الإنسان المعاصر للتصوف مجرد رفاهية فكرية أو قضية هامشية، بل أصبحت حاجةً ملحّة وضرورةً إنسانية لا غنى عنها. فالتصوف هو الترياق الذي تحتاج إليه الأرواح في هذا العصر الذي طغت فيه المادية، وقست فيه النفوس، وضعفت فيه المعاني الروحية والإيمانية.

لقد امتلأت العقول اليوم بالمعرفة، وتدفقت المعلومات بلا حدود، لكن القلوب فرغت من الطمأنينة، فأصبح الإنسان المعاصر يعيش حالةً من القلق الداخلي وفقدان المعنى، رغم كل ما حققه من تقدم مادي وتقني. وكأن الإنسان فقد جزءًا أصيلًا من تكوينه وسط زحام الحياة، ولن يعيد إليه هذا الجزء المفقود إلا اللمسة الروحية العميقة التي يقدّمها التصوف القائم على تزكية النفس وربط القلب بالله تعالى وتتجلى الحاجة إلى التصوف فى عدة جوانب قد أصابها الخلل

أولًا: عصر السرعة… وقلب الإنسان الذي لم يعد يلاحق نفسه :

نحن نعيش زمنًا تُقاس فيه قيمة الإنسان بسرعة إنجازه، وكثرة ما يملكه، واستمرار حضوره في دوائر التفاعل والاستهلاك. وهذا الواقع يصنع إنسانًا مشتتًا، مرهق الروح، لا يعرف السكون.

غير أن هذه السرعة لا تنسجم مع نظام الكون الذي يسير وفق حكمة الله وتقديره؛ فكل شيء في هذا الوجود يتحرك بميزانٍ دقيق، لا تُقدِّمه العجلة، ولا تؤخّره السكينة.

قال الله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾

وإذا تأمل الإنسان المخلوقات من حوله، وجدها تعيش في انسجام هادئ مع سنن الله، لا يطاردها قلق الفوات، ولا تستنزفها المقارنات المستمرة، بينما يعيش الإنسان المعاصر في سباق لا ينتهي، حتى أصبح عاجزًا عن الإصغاء إلى نفسه.

ومن هنا تأتي الحاجة إلى التصوف بوصفه “إعادة ترتيب للداخل”، فيتعلم الإنسان أن له قلبًا يحتاج إلى السكينة، لا إلى الضجيج الدائم.

قال الله تعالى: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾

فهذه ليست مجرد عبارة وعظية، بل حقيقة نفسية وروحية عميقة؛ فالقلب لا يطمئن بكثرة المعلومات، ولا بتراكم الإنجازات، وإنما يطمئن بالصلة بالله، والرضا بحكمته، والانسجام مع تدبيره.

وفي هذا المعنى يقول بن عطاء الله السكندري: أرح نفسك من التدبير، فما قام به غيرك عنك لا تقم به لنفسك.”

ثانيًا: طغيان المادة… وفقر المعنى :

قد يعيش الإنسان اليوم في رفاهية لم يعرفها السابقون، لكنه في الوقت نفسه يعاني من القلق والاكتئاب والفراغ الداخلي أكثر من أي زمن مضى.

فالانغماس المفرط في الماديات والانشغال الدائم بالمظاهر والاستهلاك أفقد الإنسان جزءًا من إنسانيته، لأن الفطرة البشرية خُلقت لتسكن بالقرب من الله، لا بالغرق في دوامة الأشياء.

وهنا يعيد التصوف تعريف معنى الغنى الحقيقي؛ فليس الغنى بكثرة المال والمتاع، وإنما غنى القلب والنفس.

قال النبي ﷺ: «ليس الغنى عن كثرة العرض، ولكن الغنى غنى النفس».

فالتصوف يعلّم الإنسان أن يملك الدنيا دون أن تملكه، وأن يستخدم الأشياء دون أن يتحول إلى عبدٍ لها.

وفي هذا المعنى يقول ابن عطاء الله السكندري: “اجتهادك فيما ضمن لك، وتقصيرك فيما طلب منك، دليل على انطماس البصيرة منك.”

ثالثًا: القسوة الرقمية… وتآكل الرحمة :

وسائل التواصل الحديثة جعلت الإنسان يرى آلاف الصور والمشاهد يوميًا، لكنها — في المقابل — أضعفت الإحساس الحقيقي بالآخرين، حتى صار كثير من الناس يتعاملون مع البشر كصور وتعليقات، لا كأرواح ومشاعر وآلام.

وهنا يأتي التصوف ليعيد بناء الرحمة داخل الإنسان، فيتعلم أن يرى الناس بقلوبه لا بعينيه فقط، وأن يشعر بآلامهم وآمالهم.

ولهذا كان سيدنا رسول الله ﷺ قمةً في الرحمة، حتى مع المخالفين والأعداء، لأن قلبه كان ممتلئًا بالله، فلم تتسلل إليه القسوة.

وفي هذا المعنى يقول الجنيد البغدادي: “التصوف أن تكون مع الله بلا علاقة، ومع الخلق بلا نفس.” أى تكون مع الله فتعبده لذاته حباً وشوقاً، لا طمعاً

وتكون مع الخلق بلا نفس : أي تتعامل مع الناس دون أن تطلب لنفسك حظاً لتكون معاملتهم خالصة لوجه الله وخدمةً لهم

فالتصوف الحقيقي لا يصنع إنسانًا متعاليًا على الناس، بل يصنع قلبًا أكثر رحمةً ولينًا واتساعًا للخلق.

رابعًا: الإنسان الذي يعرف كل شيء… إلا نفسه :

من أكبر أزمات هذا العصر أن الإنسان عرف العالم، لكنه جهل نفسه.

قال الله تعالى: ﴿وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾

ومن هنا يظهر التصوف بوصفه علمًا بتزكية النفس وأمراض القلب: كيف يضبط الإنسان غضبه؟ كيف يتعامل مع شهواته؟ كيف يتخلص من الحسد والكبر والقلق؟

فالتصوف ليس أفكارًا نظرية مجردة، بل مجاهدة عملية للنفس، ومراقبة دائمة للقلب، وسعي مستمر نحو التوازن الداخلي.

وفي هذا المعنى يقول الحارث المحاسبي: أصل كل خيرٍ يقظة القلب، وأصل كل شرٍّ الغفلة.

ويقول الإمام على رضى الله عنه : من عرف نفسه عرف ربَّه.”

ويقول ابن عطاء الله السكندري: ما نفع القلب شيء مثل عزلة يدخل بها ميدان فكرة.

فالتصوف هنا ليس هروبًا من الحياة، بل عودة الإنسان إلى أعماقه ليعرف مواضع ضعفه ومرضه قبل أن ينهار داخليًا.

خامسًا: التصوف… عبودية قائمة على الحب والشكر :

تأمل هذا المشهد النبوي العجيب: كان النبي ﷺ يقوم الليل حتى تتورم قدماه، فقيل له: أتفعل هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟فقال ﷺ: «أفلا أكون عبدًا شكورًا؟»

وهنا تتجلى حقيقة التصوف في أصفى صورها: عبادة تقوم على الحب، والامتنان، واستشعار جمال العبودية لله، لا على الخوف المجرد أو الطمع وحده.

ولهذا قالت رابعة العدوية: إلهي… ما عبدتك خوفًا من نارك، ولا طمعًا في جنتك، ولكن عبدتك لأنك أهلٌ للعبادة.

ويقول بن عطاء الله السكندري ربما فتح الله لك باب الطاعة وما فتح لك باب القبول، وربما قضى عليك بالذنب فكان سببًا في الوصول.

فالتصوف يربّي الإنسان على عبودية الحب والصدق والإخلاص، لا على المظاهر الجافة أو الطقوس الخالية من الروح.

سادسًا: التصوف كحصانة ضد التفكك الداخلي :

كثير من الناس اليوم ليسوا ضائعين خارجيًا، بل ممزقين من الداخل: يعرفون الحق لكنهم يعجزون عن الثبات عليه، ويبحثون عن الطمأنينة لكنهم يعيشون القلق، ويحبون الخير لكنهم يُهزمون أمام شهواتهم وضعفهم الداخلي.

وهنا يقدّم التصوف معنى “المجاهدة”، أي أن يكون الإنسان قادرًا على قيادة نفسه بدلًا من أن تقوده أهواؤه.

فالتصوف الحقيقي يربّي الإنسان على الصبر، والمحاسبة، والمراقبة، والسموّ بالنفس، حتى يستعيد توازنه الداخلي واتصاله بالله.

وفي هذا المعنى يقول السادة الصوفية أشد الجهاد جهاد الهوى، من منع نفسه هواها فقد استراح من الدنيا وبلاها وكان محفوظا ومعافى من أذاها .

ويقول الإمام أبو القاسم القشيري: النفسُ محلُّ كل آفة، وهي معدن الظلمات، ولا ينجو منها إلا من نوّر الله قلبه بالمجاهدة.

وقال الإمام عبد القادر الجيلاني: إذا صفت القلوب من كدر النفوس أشرقت بأنوار القرب.

فالتصوف هو بناءٌ إنسان قادر على مقاومة الانهيار الداخلي وسط عالمٍ مضطرب لا يهدأ.