التخبيب عبر مواقع التواصل.. كارثة تهدد الأسرة

بقلم : د مدحت عــلي وِربي المستشار التربوي والاسري والشرعي .

سلسلة البيت السعيد : المقال السادس

الحمد لله، خلق فسوَّى، وقدَّر فهدى، وصلى الله وسلم على نبي الرحمة والهدى، وعلى آله وصحبه ومن اقتفى.

اللهم عــلي سيدنا محمد كلما شربنا الماء وكلما استنشقنا الهواء وكلما مشينا على الأرض وأظلتنا السماء ، اللهم صل عليه كلما زال ألم وبقيت نعم .

قال الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ ﴾ [الحجرات: 12].

فإن الحياة الزوجية أساسُها يقوم على المودة والمحبة، والأُلفة والرحمة، مع القيام بالواجبات والحقوق، فإذا قصَّر أحدهما، وجب على الآخر التجاوُزُ والتغافُلُ، ولا ينبغي كثرةُ التدقيق والمحاسبة في كل صغيرة وكبيرة، إلا في حال الضرر المستمر لأحدهما.

وقال الله تعالى: ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ [الروم:21]. وإن إفساد المرأة على زوجها، أو إفساد الرجل على زوجته، من أشد الفيروسات التي تُهدِّد الحياةَ الزوجية، وله آثار سلبية، وعواقبُ وخيمة على الأُسْرة والمجتمع، قد يفعلها بعض الناس جهلًا بحكمه وعواقبه، وقد يفعله البعض متعمدًا وعالمًا بخطورته، ومدى نهايته على الزوج والزوجة.

القصة ترويها الزوجة فتقول : عندي زميل بالعمل بدأت العلاقة معه بالترحيب والسلام ثم تطورت إلى الأحاديث الجانبية ثم بدأت أشتكي عن أولادي وزوجي وصار يقدم لي النصائح والإرشادات فارتحت لحديثه وصرت أفرح عندما أشتكي له عن مشاكلي الأسرية وهو يقدم لي الحلول إلى أن شعرت بالتعلق تجاهه فصارحني بأنه يحبني ويريدني زوجة له ثانية ؛لأنه هو غير سعيد من زوجته وأولاده

قلت لها : كم عمر زواجك؟ قالت : 12 سنة وعندي ثلاثة أطفال وأنا أتحمل مسؤولية البيت وزوجي مقصر في حقي، قلت : ولكن زميلك هذا ليس ناصحا وإنما (مخبب)، قالت : ما معنى (مخبب) ؟

فما هو التخبيب ؟

التَّخْبِيبُ في اللغة: هو الفساد والخداع وَالْخُبْثُ وَالْغِشُّ، تقول: خَبَّبَ فلانٌ على فلانٍ صَدِيقَه: أي أَفْسَدَهُ عليهِ، وَخَبَّبَ فُلاَنٌ غُلاَمِي: أَيْ خَدَعَهُ .[(تاج العروس/2/ 328)].

وفي الاصطلاح الشرعي:هو جامع لمعاني الإفساد والمخادعة والغش، والتخبيب بين الزوجين: هو إفساد الزوجة على زوجها، وإفساد الزوج على زوجته ، و”َتَخْبِيبُ زَوْجَةِ الْغَيْرِ خِدَاعُهَا وَإِفْسَادُهَا، أَوْ تَحْسِينُ الطَّلاَقِ إِلَيْهَا لِيَتَزَوَّجَهَا أَوْ يُزَوِّجَهَا غَيْرَهُ.[الموسوعة الفقهية الكويتية:(11/ 19)].

قال ابن حجر الهيتمي:” تَخْبِيبُ الْمَرْأَةِ عَلَى زَوْجِهَا: أَيْ إفْسَادِهَا عَلَيْهِ، وَالزَّوْجِ عَلَى زَوْجَتِهِ”. (الزواجرللهيتمي:(2/ 42).

فالتخبيب هو:الإفساد بين الزوجين سواء كان المفسد من داخل الأسرة أم من خارجها.

لذلك عدُّ القرآن الكريم التخبيب جرمًا عظيمًا من كبائر الذنوب، ومن أفعال السحرة الذين يسعون للتفريق والإفساد بين الزوجين، فقال تعالى متحدِّثًا عن قصة هاروت وماروت ، قال تعالي : ﴿ وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآَخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ﴾ [البقر: 102].

ولخطورة التخبيب تبرأ النبي صلى الله عليه وسلم ممن يسعى للإفساد بين الزوجين، وتوعده بحرمانه من الجنة،عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلى الله عَلَيه وسَلم قَالَ:”‌مَنْ ‌خَبَّبَ ‌عَبْدًا ‌عَلَى ‌أَهْلِهِ ‌فَلَيْسَ ‌مِنَّا، وَمَنْ أَفْسَدَ امْرَأَةً عَلَى زَوْجِهَا فَلَيْسَ مِنَّا”. [(صحيح ابن حبان/3/ 325)]

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «‌لَيْسَ ‌مِنَّا ‌مَنْ ‌خَبَّبَ ‌امْرَأَةً ‌عَلَى ‌زَوْجِهَا، أَوْ عَبْدًا عَلَى سَيِّدِهِ»(أبي داود/ 2/ 254 ) [حكم الألباني] : صحيح ».

يعني أفسد زوجة على زوجها بأن يذكر عندها مساوئ زوجها، أو محاسن أجنبي عندها، فهو يعمل على تحسين الطلاق إليها حتى يطلقها فيتزوجها أو يزوجها لغيره .

ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَا يَدْخُلُ الجَنَّةَ ‌خِبٌّ ‌وَلَا ‌مَنَّانٌ ‌وَلَا ‌بَخِيلٌ»[ الترمذي/3/ 408، برقم (1963)] [حكم الألباني] : ضعيف .

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” ‌إِنَّ ‌الْمُؤْمِنَ ‌غِرٌّ ‌كَرِيمٌ، وَإِنَّ الْفَاجِرَ خَبٌّ لَئِيمٌ ” »[ أحمد /(15/ 59)، برقم (9118)] ومعنى (الغر): الذي لم يجرب الأمور، و(الخِبُّ): الخداع المفسد، (المؤمِن غِرٌّ كَرِيمٌ) أَيْ لَيْسَ بِذِي نُكر، فَهُوَ يَنْخَدِع لانْقِيادِه وَلينِه، أي لم يجرب الأمور، فهو سليم الصدرِ، وحَسنُ الظنِّ بالناس، يريد به أن المؤمنَ المحمودَ من طبعه الغَرَارة، وقلة الفِطنة للشر، وترك البحث عنه، وليس ذلك جهلًا منه، ولكنه كرمٌ، وحُسن خُلق. [النهاية في غريب الحديث والأثر لابن الأثير: (3/ 354-355)].

فالنبي صلى الله عليه وسلم أراد أن يقول: المؤمن الحقيقي ليس بخداع ولا خبيث، فهو لا يشغل نفسه بأمور فيها مفسدة ومضرة للآخرين، بعكس الفاجر الذي يشغل نفسه بأمور فيها مضرة للآخرين ويسعى إلى فسادهم .

ولو نظرنا إلى واقع الناس اليوم سنجد أن من أخطر أساليب التخبيب هو يوم أن يظهر المخبب بصورة الناصح المشفق المتعاطف، فهو لا يصرح بالتخبيب لكنه يلمح وربما بقصد أو بغير قصد،والفرق بين النصيحة والتخبيب كما بين السماء والأرض :

النصيحة: واضحة وصريحة، هدفها الإصلاح، وتُقال للطرفين أو بطريقة علنية تخدم المصلحة العامة ، لكن المخبب : يأتي إلى الزوجة ويقول لها: والله أنت تستحقين عيشة أفضل من هذه العيشة، أنت لا تزالين شابة صغيرة وجميلة، ويذكرلها بأن فلانة تعيش هكذا وهكذا، وفلانة تلبس كذا وكذا، وفلانة تشتري كذا وكذا، ويذكر لها ما تعيشه الفتيات من النعيم والراحة والترفيه، فتبدأ هذه الزوجة تقارن حالها وعيشتها بحال ومعيشة تلك الزوجات، فتبدأ تطلب من زوجها فوق طاقته فتبدأ الخلافات والمشاكل، ومن هنا يبدأ التحريض والتخبيب.

أشكال وألوان التخبيب كثيرة : ومنها:

أولًا: أن يتعمَّد الْمُفْسِدُ أن يذكر فلانًا أو فلانة من الناس بأحسن العبارات وأجملها أمام أحد الزوجين .

ثانيًا: أن يقصد المفسد بتخبيب الزوجة الرغبة في الزواج منها، وكذلك من النساء من تخبِّب الرجل على زوجته؛ رغبة في الزواج منه.

ثالثًا: السعي بين المتزوجين بالغِيبة والنميمة وبالكلام البذيء؛ رغبة في التفريق بينهما، إما بسبب الحقد، أو الحسد، أو موقف قديم بين الأسرتين، أو حتى بين الأولاد.

رابعًا: مدح الأجنبيات أمام الرجل، وأن له تجارِبَ جميلةً وسعيدة مع هذا البلد وتلك الدولة، ويكون التخبيب بقصد أو غير قصد، لكن نهايته فساد الأسرة.

خامسًا: أن يتم استشارة مُصْلِحٍ أو مصلحة جاهلَينِ بالعلاقات الزوجية وعلاجها، سواء بالاتصال أو عن طريق الإنترنت، فيصف للزوجة أو الزوج علاجًا يكون فيه هدم الأسرة وتشتيتُها.

سادسًا: الاستماع أو مشاهدة بعض الفاشلات في الحياة الزوجية، والناقمات على الرجال، والْمُدَّعِيَات للحرية والانفتاح، والمتأثِّرات بالحياة الغربية، تقول إحرداهن : أنت منفصلة ولي الشرف .

سابعا: إظهار شخص ما للمرأة اهتماماً مبالغاً فيه، بنظرات أو معاملة مميزة، تشعر داخلياً أن هناك فرقاً بينها وبين تعامل زوجها معها.

ثامنا : كلمات عابرة ذات مغزى خفي أو منشورات على وسائل التواصل ، كجُمل تبدو عادية مثل: “أنتِ تستحقين أفضل” أو “زوجك لا يقدرك كما يجب”،هذه العبارات تُغرس في ذهنها على أنها حقائق.

أورسائل عامة مثل: “لا تقبلي حياة بلا كرامة” أو “الطلاق بداية جديدة أجمل”، الطلاق يعني الحرية والإنطلاق .

تاسعا: المقارنة المستمرة و إظهار أن هناك رجالاً آخرين أكثر تفهماً ورقّة، وكأن المقارنة دعوة خفية للتمرد.

فكم من أم بسبب كلامها أفسدت حياة ابنتها مع زوجها؟ وكم جارة بسبب كلامها كانت سببًا في طلاق جارتها؟

وكم من أخت أو قريبة أو صديقة بسبب نصائحها التي فيها التخبيب كانت سببًا لهدم بيت هذه الزوجة؟

لماذا تبرَّأ النبي صلى الله عليه وسلم من المخبب ؟ ووعده بحرمانه من دخول الجنة؟ والجواب : لأنه شابه بفعله إبليس اللعين، فالإفساد بين الزوجين، من أعظـم الوسائل التي يفرح بها إبليس.

عَنْ ‌جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « ‌إِنَّ ‌إِبْلِيسَ ‌يَضَعُ ‌عَرْشَهُ ‌عَلَى ‌الْمَاءِ، ثُمَّ يَبْعَثُ سَرَايَاهُ، فَأَدْنَاهُمْ مِنْهُ مَنْزِلَةً، أَعْظَمُهُمْ فِتْنَةً، يَجِيءُ أَحَدُهُمْ فَيَقُولُ: فَعَلْتُ كَذَا وَكَذَا، فَيَقُولُ: مَا صَنَعْتَ شَيْئًا. قَالَ: ثُمَّ يَجِيءُ أَحَدُهُمْ فَيَقُولُ: مَا تَرَكْتُهُ حَتَّى فَرَّقْتُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ.

قَالَ: فَيُدْنِيهِ مِنْهُ وَيَقُولُ: نِعْمَ أَنْتَ قَالَ الْأَعْمَشُ: أُرَاهُ قَالَ: فَيَلْتَزِمُهُ »[ مسلم، (4/ 2167)، برقم (2813)].

أرأيتم عندما سمع إبليس بأنه هدم كيان أسرة، وشتت شمل بيت، وفرَّق بين الأحباب، قام إليه مبتهجًا فرحًا وضمُّه إليه، وقرِّبه منه.

وأخطر التخبيب الآن ما يكون عن طريق مواقع التواصل الاجتماعي، هذه المواقع التي أصبحت في زماننا سببًا لخراب الكثير من البيوت، فترى اليوم رجلًا أو شابًا يراسل فتاة متزوجة ويتكلم معها، وهي تحدثه عن حياتها مع زوجها، وكيف أنها غير سعيدة معه، فيحدثها هو بكلام معسول، بكلام فيه عاطفة ولين، فتتعلق به، فتبدأ هذه الزوجة بالمقارنة بين هذا الرجل، وبين زوجها، بين كلامه المعسول وبين كلام زوجها، فتصل إلى الخيانة الزوجية فإن لم ينته إلى ذلك، انتهى إلى اضطراب حياتها، وانشغال فكرها، وهروب السكينة من حياتها الزوجية، وتنتهي إلى الطلاق ولا يخلو التخبيب من زنا.

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: ” ‌الْعَيْنَانِ ‌تَزْنِيَانِ، وَالْيَدَانِ تَزْنِيَانِ، وَالْفَرْجُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ، أَوْ يُكَذِّبُهُ “(أحمد (14/ 218) برقم / 8539). والعكس كذلك فتاة تتحدث مع شاب أو رجل متزوج، وترسل له صورها، فيبدأ يقارن بينها وبين زوجته، فيتعلق بها، فيبدأ يكره زوجته، وتنتهي إما إلى أن يهملها أو يطلقها.

لماذا التخبيب خطير؟

1- يُحدث شرخاً نفسياً خفياً: المرأة لا ترى أنها ضحية ، بل تظن أنها اكتشفت الحقيقة بنفسها.

2-يضعف الثقة الزوجية: مع تكرار الإيحاءات تبدأ في الشك بزوجها، ثم فقدان الاحترام له.

3- يدمر الأسر والمجتمع: كل زيجة تُفسد بهذه الطريقة تترك أثراً على الأطفال، وتُشيع عدم الاستقرار الأسري.

اذهبوا الى المحاكم وأسالوا عن أسباب كثرة الطلاق، ستجدون كم من حالة طلاق كانت هذه المراسلة هي السبب الرئيسي في خراب البيوت وهدم الأسر.

وبعض الرجال ومع الأسف تعجبه الزوجة المتزوجة من غيره، فيعمل على إفسادها على زوجها، ويقوم بتحسين الطلاق إليها من أجل أن يتزوجها أو يزوجها لغيره، وينسى هذا الرجل المريض المفسد الخبيث قوله الحبيب عَنِ ‌ابْنِ عُمَرَ،عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: « ‌لَا ‌يَبِعِ ‌الرَّجُلُ ‌عَلَى ‌بَيْعِ ‌أَخِيهِ، وَلَا يَخْطُبْ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ، إِلَّا أَنْ يَأْذَنَ لَهُ »[(مسلم، (2/ 1032)، برقم(1412)].

فاذا كان نبينا صلى الله عليه وسلم حذر أمته من خِطْبَةِ الرَّجُلِ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ، فكيف بمن يُفْسِدُ زوجة على زوجها ليتزوجها أو يزوجها لغيره؟ بل إن النبي صلى الله عليه وسلم حذر الزوجة من طلب الطلاق من زوجها بلا سبب، فقال: عَنْ ثَوْبَانَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «أَيُّمَا امْرَأَةٍ سَأَلَتْ زَوْجَهَا طَلَاقًا مِنْ غَيْرِ بَأْسٍ ‌فَحَرَامٌ ‌عَلَيْهَا ‌رَائِحَةُ ‌الجَنَّةِ»[ الترمذي، (2/ 484)، برقم (1187).[حكم الألباني] : صحيح.

هل يرضى هذا المفسد الخبيث لرجل أن يفسد زوجته عليه؟ وهل ترضى الزوجة المخببة أن تفسد امرأة زوجها عليها وتجعله يطلقها ليتزوج بها؟ وهل يرضى هذا الرجل لمحارمه هذا الأمر؟ماذا سيقولون لرب العالمين يوم القيامة عندما يسألكم عن هذه الجريمة؟

وبماذا ستجيبون ربكم عندما يقول لكم لماذا كنتم سببًا في خراب البيوت ودمار الأسر؟ فهل هيأ الواحد منا جوابًا لهذا السؤال أمام الله ؟

فينبغي أن ينتبه المسلم لكلماته – وكذلك المسلمة -؛ فقد تفسد كلمة علاقة زوج بزوجته، وتؤدي إلى الطلاق، فالمسلم يكون مصلحًا بين الناس، ولا يتدخل بين الزوج وزوجته إلا أن يقول كلمة تجمع بينهما وتصلح بها أحوالهما، ويذكّر الزوج بنعمة زوجته، ويشجعه على احترامها، والمحافظة عليها فهي أم أولاده، ويشجع الزوجة على طاعة زوجها، واحترامه، والصبر عليه، فيزرع الألفة والمحبة بين الزوجين.

ما حكم زواج المخبب ممن أفسدها علي زوجها ؟

اختلف الفقهاء في حكم زواج الرجل بمن أفسدها على زوجها:

1-جمهور العلماء على أن نكاح المخبب بمن خبب بها صحيح على الرغم من حرمة التخبيب .

2- وذهب المالكية وبعض أصحاب أحمد إلى أن النكاح باطل ويفرق بينهما، معاملة له بنقيض قصده.[الإقناع (3/ 182)].

فَمَنْ أَفْسَدَ زَوْجَةَ امْرِئٍ أَيْ: أَغْرَاهَا بِطَلَبِ الطَّلاَقِ أَوِ التَّسَبُّبِ فِيهِ فَقَدْ أَتَى بَابًا عَظِيمًا مِنْ أَبْوَابِ الْكَبَائِرِ.(الموسوعة الفقهية /(5 /251).

وَقَدْ صَرَّحَ الْفُقَهَاءُ بِالتَّضْيِيقِ عَلَيْهِ وَزَجْرِهِ، حَتَّى قَال الْمَالِكِيَّةُ بِتَأْبِيدِ تَحْرِيمِ الْمَرْأَةِ الْمُخَبَّبَةِ عَلَى مَنْ أَفْسَدَهَا عَلَى زَوْجِهَا مُعَامَلَةً لَهُ بِنَقِيضِ قَصْدِهِ، وَلِئَلاَّ يَتَّخِذَ النَّاسُ ذَلِكَ ذَرِيعَةً إِلَى إِفْسَادِ الزَّوْجَاتِ»[ الموسوعة الفقهية الكويتية:(5 / 291)].

والراجح :هو ما ذهب إليه جمهور الفقهاء من صحة نكاحه، فالتخبيب وإن كان حرامًا وكبيرة من الكبائر إلا أن النكاح إذا وقع بشروطه الشرعية كان نكاحًا صحيحًا، وما سبقه من تخبيب لا يعود عليه بالإبطال.

أما ما ذكره المالكية من تحريمها عليه عقوبة له، فالواجب هو تعزيره على هذه المعصية على ما يقرره القاضي الشرعي، وأن تعرَّف المرأة بحقيقة الحال، فإن أرادت الرجوع إلى زوجها وكان الطلاق رجعيًّا فلها ذلك، وإن أرادت الزواج بغيره فلها ذلك أيضًا.

إذا؛التخبيب من أشد الفيروسات التي تهدد الحياة الزوجية، وله آثار سلبية، وعواقب وخيمة على الأسرة والمجتمع، قد يفعلها بعض الناس جهلًا في حكمها وعواقبها، والبعض يفعلها وهو متعمد وعالم بخطورتها، ونهايتها على الزوج والزوجة.

وهنا أنصح كلًّا من الزوجين بالآتي:

أولًا: الحذر من صاحب السوء مهما كان قربه أو بُعْدُه منك، سواء كانت نصيحته عن طريق الإنترنت، أو بالاتصال، أو باللقاءات.

ثانيًا: الحذر من التعلق بما تشاهدونه في القنوات الفضائية أو في التطبيقات الإلكترونية.

ثالثًا: عدم التسرُّع باتخاذ قرار الطلاق من الزوج، أو طلب الخلع من الزوجة، خاصة حديثو العهد بالزواج؛ لأنهم لم يتعوَّدوا على المسؤولية وقيود الحياة ومشاكلها.

رابعًا: استشعار المسؤولية، ومعرفة الحقوق والواجبات على الطرفين.

خامسًا: شكر الله على نِعَمِهِ، فكم محروم من الزواج ومن الأطفال، ومن الأسرة!

خامسا : الوعي: إدراك أن بعض الرسائل ليست بريئة كما تبدو.

سادسا :تعزيز الثقة بين الزوجين: فأي فراغ عاطفي قد يكون مدخلاً للتخبيب.

سابعا :التمييز بين النصيحة والإيحاء المضلل: النصيحة تبني، أما التخبيب فيُشعر الطرف الآخر بأنه ناقص أو مظلوم.

ثامنا: التعامل بحزم مع من يحاول التدخل في العلاقة بطرق مشبوهة

التخبيب بين الزوجين .

تاسعا: الحرص على طاعة الله، والبعد عن المعاصي والذنوب.

عاشرا: الشكروالحفاظ علي نعمة الزواج :عَنْ ‌أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « ‌لَا ‌يَفْرَكْ ‌مُؤْمِنٌ ‌مُؤْمِنَةً، إِنْ كَرِهَ مِنْهَا خُلُقًا رَضِيَ مِنْهَا آخَرَ، أَوْ قَالَ غَيْرَهُ » [مسلم (4/ 178) 63 – (1469)].

أسأل الله العظيم أن يحسن أحوالنا، ويحفظ أسماعنا وأبصارنا وألسنتنا وجوارحنا عن التخبيب وأهله، ويجعلنا أخوة متحابين، إن ربي لسميع الدعاء.