“العلماء الحقيقيون تخلدهم مصنفاتهم وأثرهم في نفوس تلامذتهم”

بقلم الأديب والمؤرخ : أ. سيد الرشيدي 

غياب الكبار في زمن الصخب:

الأستاذ الدكتور خالد فهمي.. رحيل حارس لغة الضاد

في زمنٍ صاخبٍ تملأه السوشيال ميديا بضجيج التوافه، وتتسابق فيه وسائل الإعلام لتصدر أخبار لا تبني وعياً ولا تحمي هوية، رحل عن دنيانا في هدوء العلماء رجلٌ من طراز فريد، وقامة علمية وأخلاقية سامقة، قضى حياته مرابطاً في ثغور اللغة والأدب والتاريخ؛ إنه الأستاذ الدكتور خالد فهمي، أستاذ اللغويات بكلية الآداب، والخبير بمجمع اللغة العربية، والفقيه الذي ملأ طبقات الأرض علماً وفضلاً.

من هو الدكتور خالد فهمي؟

لم يكن الدكتور خالد فهمي مجرد أستاذ جامعي يلقي محاضراته ويمضي، بل كان مشروعاً علمياً متحركاً، ومربياً للأجيال، استطاع أن يجمع بين دقة الباحث الأكاديمي وغيرة المصلح المفكر. عُرف بين طلابه وزملائه بنبل أخلاقه، وتواضعه الجم، وحرصه الشديد على رعاية الباحثين وتوجيههم.

عالم اللغة والمجمع الموقر: بصفته خبيراً في مجمع اللغة العربية بالقاهرة (مجمع الخالدين)، كان للدكتور خالد دور بارز في خدمة العربية، وتتبع تطورها، والدفاع عن فصاحتها في وجه موجات التغريب والركاكة.

سفير العربية لغير الناطقين بها: كانت له بصمات ومقترحات ومؤلفات مشهودة في هندسة مناهج تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها، مؤمناً بأن العربية ليست مجرد أداة للتواصل، بل هي وعاء الحضارة والدين والوجود.

فقيه الأدب والتاريخ: تميزت كتاباته برؤية عميقة تربط بين علوم اللغة وسياقاتها التاريخية والاجتماعية، ولعله كان من القلائل الذين امتلكوا أدوات تحقيق التراث وفهمه وتفكيكه بروح معاصرة.

مفارقة مؤلمة: أين الإعلام من صناع العقول؟

بينما تنشغل المنصات والشاشات بجدل عقيم حول أفلام هابطة أو إشاعات لا قيمة لها، وتُصنع النجومية الزائفة لأشخاص لم يقدموا للأمة شيئاً، يُطوى علم من أعلام الأمة دون وعي من إعلامنا المغيب.

إن الدكتور خالد فهمي لم يكن يطلب الشهرة، فالعلماء الحقيقيون تخلدهم مصنفاتهم وأثرهم في نفوس تلامذتهم، لكن المجتمع هو الذي يخسر حين يُحرم الشباب من الاقتداء بهذه النماذج المضيئة، ويُترك في تيه اللاهثين وراء “التريند” والسطحية.

إرث لا يموت

لقد انتقل الدكتور خالد فهمي إلى رحمة الله، تاركاً خلفه ثروة من المؤلفات والتحقيقات، وجيشاً من التلاميذ الذين نهلوا من علمه وخُلقه في مصر والعالم العربي. وإذا كان الإعلام قد قصر في حقه حياً وميتاً، فإن الواجب يقع اليوم على عاتق المثقفين والغيورين على هذه الأمة ليتداولوا سيرة هذا العالم الجليل، ويعرّفوا الأجيال الجديدة بما قدمه.

رحل “خادم لغة الضاد” وبقي علمُه المأثور، وخلقه الحاضر، وأثره الذي لا يمحوه غبار النسيان. غفر الله للأستاذ الدكتور خالد فهمي، وجزاه عن العربية وأهلها خير الجزاء، وأسكنه فسيح جناته.