حين يختل ميزان العبادة… تبدأ المظالم الخفية

بقلم الدكتورة : حنان محمد الواعظة بوزارة الأوقاف المصرية

خلق الله الإنسان لعبادته، لكن العبادة في الإسلام ليست مجرد كثرة صلاة أو صيام أو اجتهاد بلا ميزان، وإنما هي عبادة تقوم على العدل والتوازن، حتى يعيش الإنسان مستقيمًا في علاقته مع ربه، ومع نفسه، ومع الناس من حوله.

فقد يظن البعض أن العبادة الحقيقية تعني الانقطاع الكامل عن الدنيا، وإهمال الجسد، والتقصير في حقوق الأهل بحجة التفرغ للطاعة، لكن الإسلام جاء ليصحح هذا المفهوم، ويؤكد أن الله سبحانه لا يريد من عبده أن يظلم نفسه وهو يظن أنه يحسن صنعًا.

لقد أرشدنا النبي ﷺ إلى هذا المعنى العظيم حين رأى بعض الصحابة يبالغون في العبادة، فقال أحدهم: أما أنا فأصوم ولا أفطر، وقال الآخر: أقوم الليل ولا أنام، وقال الثالث: لا أتزوج النساء، فبين لهم النبي ﷺ أن العبادة الحقة ليست في التشدد، وإنما في اتباع منهج الله القائم على التوازن والاعتدال، فقال ﷺ:
«فمن رغب عن سنتي فليس مني».

إن المسلم مطالب بأن يعطي كل ذي حق حقه:
فلله حق العبادة والطاعة، وللجسد حق الراحة والرعاية، وللأهل حق الاهتمام والمودة، ولذلك قال النبي ﷺ:

«إن لربك عليك حقًّا، وإن لنفسك عليك حقًّا، وإن لأهلك عليك حقًّا، فأعطِ كلَّ ذي حقٍّ حقَّه».

وهنا تتجلى قيمة العدل في الإسلام بأعظم صورها؛ فالعدل لا يكون فقط في الحكم بين الناس، بل يبدأ من عدل الإنسان مع نفسه، فلا يرهقها بما لا تطيق، ولا يحرمها من حقوقها المشروعة، ولا يجعل العبادة سببًا في التقصير تجاه من حوله.

فالعبادة التي يحبها الله هي العبادة المستمرة المتزنة، لا العبادة المنقطعة التي تبدأ بحماس وتنتهي بفتور. ولذلك كان أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل.

إن الإسلام دين واقعي، يعلم طبيعة النفس البشرية، ويوازن بين الروح والجسد، وبين الدنيا والآخرة، فلا رهبانية فيه، ولا تعذيب للنفس، وإنما سعي إلى رضا الله وفق المنهج الذي شرعه سبحانه.

فلنعبد الله كما يريد هو… لا كما تمليه علينا عواطف مؤقتة أو أفكار متشددة، ولنجعل العدل ميزانًا في عبادتنا، حتى نحيا حياةً مستقيمة مطمئنة، ننال بها رضا الله في الدنيا والآخرة