العمل عبادة.. حين تتحول الحياة كلها إلى طاعة لله

بقلم الأستاذ : مصطفى أحمد مصطفى

العمل والتفكر عبادة وطاعة لله :
جعل الله سبحانه وتعالى كثيرًا من أعمال الإنسان وأفعاله أبوابًا للطاعة والعبادة، فإذا صلحت النية، واستقام العمل على ما أمر الله به، أصبح الإنسان في عبادة دائمة في ليله ونهاره، في يقظته ومنامه. فالإسلام لا يجعل العبادة مقصورة على الصلاة والصيام فقط، بل يجعل الحياة كلها ميدانًا للطاعة إذا صدق العبد مع ربه.

فقد أمر الله سبحانه وتعالى بالعمل والسعي، وجعل الكسب الحلال من الطاعات العظيمة، قال تعالى:
﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾.
فالعمل عبادة، والسعي في طلب الرزق طاعة، والأخذ بالأسباب أمر شرعه الله لعباده؛ لأن الرزق لا يأتي إلى الإنسان وهو نائم في بيته ينتظر أن يطرق الرزق بابه، بل لا بد من الاجتهاد والسعي، وتحري الحلال، واجتناب الحرام في الكسب والعمل. فإذا التزم الإنسان حدود الله في طلب الرزق كان عمله عبادة يؤجر عليها، أما إذا خالف أمر الله وسلك طريق الحرام، فلا يكون عمله طاعة ولا عبادة؛ لأن الله سبحانه وتعالى طيب لا يقبل إلا طيبًا.

التفكر في خلق الله
ومن أعظم العبادات التي أمر الله بها: عبادة النظر والتفكر والتدبر في مخلوقات الله سبحانه وتعالى. فقد ميز الله الإنسان بالعقل، وكرمه به على سائر المخلوقات، وأمره أن يستخدم هذا العقل في طاعته وعبادته.

فإذا نظر الإنسان إلى السماء، ورأى كيف رفعها الله بغير عمد، وكيف زينها بالنجوم والكواكب والقمر، علم عظمة الخالق سبحانه، ورأى من دقة الصنع والإتقان ما يملأ القلب خشوعًا وإيمانًا. وهذه الآيات الكونية لو تدبرها الإنسان حق التدبر، لازداد يقينه بالله، ولعلم أن هذا الكون له خالق عظيم لا يعجزه شيء.

التفكر في خلق الإنسان
وكذلك إذا تدبر الإنسان خلق نفسه، علم ضعفه وحقيقة أصله؛ فقد خلقه الله من تراب، ثم من طين، ثم نفخ فيه الروح بأمره سبحانه. فليتأمل الإنسان المتكبر الذي يظن أنه لا مثيل له في الأرض، وليتذكر أن أصله تراب، وأنه سيعود إلى التراب يومًا ما.
إن التفكر في خلق الإنسان وكيفية إيجاده يزيد القلب خضوعًا لله، ويدفع الإنسان إلى طاعته واجتناب معصيته.

العبادة في كل شيء
إن النظر والتفكر والتدبر كلها عبادات تقرب العبد من ربه، وتجعله متعلقًا بالله في جميع أحواله. ولو عاش الإنسان بهذه المعاني، لأصبح في عبادة دائمة؛ لأن كل أمر يفعله في حدود ما أمر الله به، واجتناب ما نهى عنه، يكون طاعة وعبادة.

والمقصود من هذه الأعمال كلها تزكية النفس، وتربيتها التربية الصحيحة، وتعليمها أن الأمور تؤخذ بالأسباب مع التوكل على الله سبحانه وتعالى.
ومن هنا نفهم قول الله تعالى:

﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾،
فالله سبحانه وتعالى خلق الإنس والجن لعبادته، وجعل أبواب العبادة كثيرة ومتنوعة، حتى يعيش الإنسان حياته كلها في طاعة وقرب من الله، فيفوز برضوانه وجناته في الآخرة بإذن الله تعالى.

فنسأل الله سبحانه وتعالى أن ييسر لنا أمورنا، وأن يجعلنا من عباده الصالحين، وأن يرزقنا الإخلاص في القول والعمل، وأن يديم علينا نعمة الطاعة والعبادة إلى آخر أعمارنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه.