الانتحار، أسبابه، وآثاره، وموقف الإسلام منه
1 مايو، 2026
قضايا وأحكام

بقلم الاستاذ الدكتور: نعيم شرف العميد السابق لكليةالدراسات الإسلاميةوالعربية بجامعة الأزهر
لقد ابْتُلِينا في الآونة الأخيرة ببعض من تسرب اليأس والقنوط إلى حياتهم، وتفرغت قلوبهم من الأمل واليقين، فتخلصوا من حياتهم عن طريق الانتحار، وهو قتل الإنسان نفسه عن طريق من طرق إزهاق الروح؛ كإلقاء نفسه من مكان عال، أو في بحر، أو نهر، أو عن طريق تناول السموم، أو أي نوع من المسْكرات أو المخدرات، أو عن طريق الشنق، أو الحرق.. أو ما إلى ذلك؛ نتيجة اعتقاد المنتحر بأن التخلص من حياته هو الحل الأمثل الذي تنتهي به مشاكله، وما يُعانيه من مرض، أو فقر، أو ضغوط نفسية، أو شعور بالذنب، أو عدم وجود فرصة عمل، أو فقدان وظيفة، أو فشل مالي، أو تعليمي، أو اجتماعي، أو مشاكل عاطفية أو أُسَرِيَّة أو مشكلة متعلقة بإلحاق العار.. إلى غير ذلك.
والحق أن الإقدام على تلك الجريمة النكراء التي حرَّمها الله تعالى (الانتحار) خسران للدنيا والآخرة معا، وهذا يعود في المقام الأول إلى ضعف الإيمان، وعدم الرضا بقضاء الله وقدره، وانعدام الثقة واليقين بوعد الله تعالى، والجهل بحكمته، والإسراف في المحرمات، وسوء التربية في بيت لا يتعلم فيه الصبر على المحن والابتلاءات وسوء الأحوال، وكذلك الاستسلام لليأس والقنوط؛ قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾وقال جل شأنه: ﴿وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾ صدق الله العظيم.
إن المُقْدِمَ على تلك الكبيرة العظمى لا يدرك ما قد يترتب على فعلته الشنعاء من جلب غضب الله تعالى، وسخطه، وما قد يتولد عنها من أمور عديدة؛ أولها، وأقواها وأبرزها: عقاب الله الأليم في الدار الآخرة، ثم فَقْد المجتمع لفرد من أفراده، ولبنة من لبنات بنائه؛ إذ يُعَدُّ الإنسان المحرك الأساسي الذي يحرك مجتمعه وبيئته نحو المستقبل، ثم إن كان له ولد وزوج، تيتم الولد، وترملت الزوج أو المرأة، ولربما كان انتحاره سببا في ضياع حقوق، أو نزاعات والتزامات متعلقة بالآخرين، وربما قلده بعض الجهلة، وتأثروا به، مما يساعد على تفشي هذه الجريمة المحرمة وانتشارها، وخاصة في هذا الزمان الذي انتشرت فيه السوشيال ميديا، وأصبح المنتحر يظهر في بث مباشر، وهو يتخلص من حياته، ويفعل فعلته النكراء؛ فبعد الموت بعث وحساب، وثواب وعقاب، وصراط يؤدي إما إلى الجنة أو إلى النار والعياذ بالله تعالى؛ ولهذا حرم الإسلام الانتحار عمدا بكل أشكاله، ووسائله، وعدَّه من أكبر الكبائر؛ قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا*وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ وقال عز وجل: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ وقال جل في علاه: ﴿ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا* يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا﴾ وفي الحديث الذي أخرجه البخاري (5778)، ومسلم (109)، والترمذي (2043)”عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: “من قتَلَ نفسَهُ بحديدةٍ جاءَ يومَ القيامَةِ وحديدتُهُ في يدِه يتوجَّأُ بِها في بطنِهِ في نارِ جَهنَّمَ خَالدًا مخلَّدًا أبدًا، ومن قَتلَ نفسَه بسُمٍّ فَسمُّهُ في يدِه يتحسَّاهُ في نارِ جَهنَّمَ خالدًا مخلَّدًا” وعن ثابت بن الضحاك رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: “مَن قتل نفسه بشيء في الدنيا، عُذِّب به يوم القيامة” صدق رسول الله ﷺ.
وهكذا تضافرت الأدلة وتعاضدت البراهين على تخليد قاتل النفس في النار إلا أن يتغمده الله تعالى برحمته، ويشاء أن يتكرم عليه بإخراجه من النار لكونه من الموحدين، والله تعالى أعلم بمن مات على التوحيد، فعذاب الآخرة في حكم مشيئة الله جل في علاه، ومذهب أهل السنة والجماعة أن من مات على التوحيد لا يُخَلَّدُ في النار؛ قال تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ صدق الله العظيم.
وليعلم الذين يفكرون في التخلص من حياتهم أن الحياة نعمة عظيمة وهبها الله تعالى للإنسان، وهبه الروح والجسد، وأنزله إلى الأرض ليعمرها، ويكون خليفة الله فيها، فلا يجوز له قتل نفسه؛ فجسمه أمانة لا يجوز له العبث بها، كما أن نفس الإنسان مِلْكٌ لخالقه جل في علاه، وقد ائتمنه عليها، فلا يجوز له أن يحرمها من حقها في الحياة، ولا يتصرف فيها إلا بما أُذِنَ له فيه، فالنفس ليست ملكا لصاحبها، وإنما ملك خالص لله الذي خلقها وهيَّأها لعبادته سبحانه، فلا يحق له إزهاق نفسه؛ لأنه مستأمن عليها، وقد جعل الإسلام حفظ النفس من أهم مقاصده الكلية، والدنيا دار اختبار وابتلاء وكَبَدٍ وفِتَنٍ وشدائد، وهذا يتطلب الثقة واليقين في حكم الله تعالى، والرضا بقضائه وقدره، والصبر وعدم الجزع في مواجهة أعباء الحياة ومشاكلها وتقلُّباتها، وربما تأتي المصائب بخير عظيم؛ كأن تفتح بابا للتوبة، فتكون تطهيرا للنفس، وتزكية لها، ورَبُّ الخير لا يأتي إلا بالخير، ورُبَّ مِحْنة في طيِّها مِنْحة، فالمِنَح والهِبات تأتي كثيرا من رَحِمِ المِحَنِ والمعاناة، وقد قال الله ﷻ: ﴿فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ وقد حَثَّ سبحانه وتعالى على الصبر، وبشر الصابرين فقال: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ* الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ* أُولَٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ صدق الله العظيم، وقد تعجب النبي ﷺ من أمر المؤمن؛ حيث “إن أمره كله له خير، ولا يكون هذا إلا للمؤمن، إن أصابته سرَّاء شكَر، فكان خيرًا له، وإن أصابته ضرَّاء صبَر، فكان خيرًا له”.
وليكن لنا في أنبياء الله تعالى القدوة الحسنة في تعظيم الرجاء بالله جل في علاه، واليقين بأن رحمته وسعت كل شيء، وأنه وحده القادر على صرف السوء، فهذا مثلا نبي الله، سيدنا إبراهيم -عليه السلام- قد وثَقَ في قدرة الله تعالى، فدعا ربه بعدما صار شيخا كبيرا: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ فاستجاب له ربه، ورزقه بإسماعيل وإسحاق عليهما السلام.
وهذا سيدنا يونُس- عليه السلام- تعلق قلبه بالله تعالى، ووثق في قدرة خالقه على نجاته، حين ابتلعه الحوت، وأدخله في بطنه وسط ظلمات ثلاث: ظلمة الليل، وظلمة البحر، وظلمة بطن الحوت، وبات لا أمل له في النجاة والخلاص مطلقا إلا بقدرة ربه جَلَّت عظمته: ﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ فأنجاه الله تعالى بقدرته، وعظمته، والأمثلة على هذا كثيرة.
نسأل الله تعالى أن يمنحنا راحة البال، والطُّمَأْنينة، والسلام الداخلي، والصبر على البلاء، والرضا بالقضاء، وأن يبعدنا من شرور الشياطين، ويرزقنا حسن الخاتمة، آمين.