ابن تيمية بين الاتهام والتوثيق التاريخي المنصف
1 مايو، 2026
العقيدة والصفات

بقلم أ : محمد عطية
لقد وثّق الحافظ المؤرخ عَلَمُ الدين البِرزالي (ت 739هـ) واقعةً مفصلية في مسيرة ابن تيمية، حين رصد شكوى شيوخ الصوفية ضده بمصر سنة 707هـ، وما تلاها من عقد مجلس شرعي برئاسة القاضي الشافعي؛ حيث لم يثبت في حق الرجل شيء من الدعاوى العريضة التي وُجهت إليه، إلا ما صرح به بلسانه قائلاً: «لا يُستغاث بالنبي ﷺ استغاثةً بمعنى العبادة، ولكن يُتوسل به»، وهي الرواية التي عضدها الحافظ ابن كثير في تاريخه بزيادة توضيحية أثبت فيها قوله: «لا يُستغاث إلا بالله، ولا يُستغاث بالنبي ﷺ استغاثةً بمعنى العبادة، ولكن يُتوسل به ويُتشفع به إلى الله»، ونقلها كذلك ابن رجب الحنبلي (ذيل طبقات الحنابلة ) مما يجعلها واقعةً تاريخية ثابتة الأركان، واضحة الدلالة في سياقها التاريخي والعقدي.
وإن المتأمل في هذا التقرير يجد تقييداً منهجياً دقيقاً، حيث ربط ابن تيمية المنع من الاستغاثة بكونها «بمعنى العبادة»، وهذا القيد المنطقي يبرهن على أن الاستغاثة عنده ليست حكماً واحداً مطلقاً، بل هي تنصرف إلى معانٍ متعددة؛ إذ لو كان أصل الاستغاثة بغير الله شركاً مخرجاً من الملة في كل أحواله لما احتاج إلى هذا التفصيل في سياق الدفاع عن معتقده، ولاكتفى بالمنع الكلي، مما يدل على أن ما يمنعه هو صرف خصائص الألوهية لغير الله، بينما تظل الأبواب الأخرى كالتوسل والتشفع محلاً للنظر والاجتهاد الذي قد يوصف بـ “إساءة الأدب” كما فعل القاضي ابن جماعة، لكنه أبداً لا يوصف بالكفر والشرك
وبهذا النقل الساطع الواضح يتجلى زيف وتدليس المحاولات التي تسعى لاختطاف فكر ابن تيمية ليكون تكئةً لمناهج الغلو والتكفير، فإقراره بمشروعية التوسل والتشفع بالنبي ﷺ في هذا المحفل الرسمي يقطع الطريق على من يدّعون الانتساب إليه في تبديع الأمة وتكفيرها؛ حيث يفرق بوضوح بين مقام العبادة الخالص لله وبين مقام التشفع والتوسل بالنبي ﷺ، وهو ما يؤكد أن مذهبه أرحب واوسع مما يحاول الغلاة حصره فيه، وأن الزعم بكونه إماماً لتيارات التكفير المعاصرة المتسلفه ليس إلا اعتسافاً للنصوص التاريخية واقتطاعاً لها عن سياقاتها المنضبطة بضوابط الشريعة وقواعد الإنصاف.