بقلم : أ . هالة أشرف
ليس للحياة أمامنا إلا مقصد واحد، مهما تفرعت الطرق، وتزاحمت الأهداف، وتكاثرت المغريات في عالم يحوي عددًا لا نهائيًا من الكائنات والأشياء وحين ندرك هذا، تتوحد أرواحنا على بساط الفهم، ويبدأ نبع الحكمة في الجريان من أعماقنا، كأننا كنا نعيش على السطح ثم أُذن لنا أخيرًا بالغوص.
لقد قال الله تعالى في كتابه العزيز: (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون).
فمن الجليّ في هذه الآية المباركة أن المقصد الأساسي للخلق هو عبادة الله وحده، لكن هذا المقصد الأعظم لا يُدرك دفعة واحدة، ولا يُكشف حجاب معناه منذ الخطوة الأولى.
إن الطريق إلى الله لا يبدأ دائمًا من الوضوح… بل كثيرًا ما يبدأ من الحيرة، ومن الرغبة، ومن الشهوة نفسها.
فالإنسان لا يتحرك في هذه الحياة إلا بدافع، ولا يسعى إلا لشيء يريده، وكأن الله قد أودع في داخله إشارات خفية تقوده إليه، وإن ظن في البداية أنه يسعى لغيره.
ومن هنا، يمكن أن نقول إن الشهوة في أصلها ليست عيبًا و لكنها أصل موجود في الإنسان من بداية حياته و قد تكون ذات نفع إذا تفكرنا فيها بشكل جيد.
فإذا صدق الساعي في طلبه، وأخلص في سعيه، ولم يكتفي بسطح ما يريد، قاده ذلك – خطوة بعد خطوة – إلى ما وراء الشهوة نفسها، إلى معناها الأعمق، إلى ما كانت تشير إليه منذ البداية… إلى الله.
أما من لم يفقه هذه الحقيقة، فإنه يظل يطارد الشهوات كأنها غايات قائمة بذاتها، فينتقل من رغبة إلى رغبة، ومن هدف إلى هدف، دون أن يدرك أنه يدور في حلقة لا تنتهي يحصد ولا يشبع، ويبلغ ولا يطمئن، ويشعر في داخله دائمًا أن شيئًا ما لا يزال ناقصًا.
إن الغموض في الهدف يحجب الإنسان عن البدء الحقيقي لرحلته، وكأن حياته لم تُفتح بعد :
لذا لا بد أن يُصغي المرء إلى ندائه الخاص، ولو بدا بسيطًا، لأن هذا النداء مهما كان صغيرًا هو الخيط الأول الذي إن تتبعه بصدق، قاده في النهاية إلى المعنى الأكبر.
فالناس لا يضلون لأنهم يريدون، بل لأنهم يقفون عند ما يريدون… ولا يتجاوزونه :
أما الغاية العميقة التي تسكن كل روح، فهي ما يمكن أن نسميه بالتحصيل الروحي؛ و هي أن ينتقل الإنسان من طلب الأشياء إلى فهم ما وراءها، ومن التعلق بالمظاهر إلى إدراك الحقيقة التي تختبئ خلفها.
وحين يغوص المرء في نفسه، يرى أن الجسد ليس سوى الغلاف الأول، وأن وراءه عقلًا، وخلف العقل قلبًا، وخلف القلب روحًا، وخلف الروح ذاتًا، وخلف الذات سرّ الأسرار… الله سبحانه وتعالى.
وهنا يدرك أن كل ما في داخله لم يكن عبثًا، بل كان ترتيبًا يقوده من الظاهر إلى الباطن، ومن القريب إلى الأعمق، حتى يصل إلى الأصل الذي منه صدر كل شيء.
وفي أعماق كل إنسان، هناك خمس شهوات كبرى تنبض في سره:
الحياة، والقوة، والمعرفة، والسعادة، والسلام.
وهذه الشهوات، رغم اختلاف صورها، تشترك في أمر واحد: أنها لا تكتمل أبدًا في حدود الدنيا.
أولها التمسك بالحياة وغريزة البقاء :
في سبيلها، يأكل الإنسان ويشرب، ويتخذ المأوى، ويتفادى الأخطار، ويتمسك بكل ما يمد في عمره. ومع ذلك، فإن هذا الطلب لا يشبع أبدًا، لأن النهاية حاضرة لا محالة فمهما طال العمر، ومهما اشتدت رغبة الإنسان في البقاء، فإن الموت يقف له بالمرصاد.
وهنا تنكشف الحقيقة:
أن التمسك بالحياة في جوهر ليس طلبًا للبقاء المؤقت، بل حنينًا إلى حياة لا تنتهي. ومن خلال الموت، نعرف معنى الحي الذي لا يموت فهكذا تُعرف الأشياء بأضدادها.
ثم تأتي شهوة القوة :
يسعى الإنسان إليها بكل صوره: قوة الجسد، أو النفوذ، أو المال، أو السيطرة.
لكن ما من قوة إلا ويعلوها ما هو أقوى منها.
وكلما ظن الإنسان أنه بلغ الذروة، اكتشف أن هناك ما يفوقه، وأن ما بيده يمكن أن يُسلب منه في لحظة.
ومن هنا، يدرك أن القوة التي يطلبها ليست هذه القوة الزائلة، بل قوة لا تُغلب، ولا تزول، ولا ينازعها أحد. ومن الضعف، يُعرف القوي المتين الذي يدبر أمور كل المخلوقات و يرزقهم و يكفيهم.
ثم تأتي الرغبة في المعرفة.
يسأل الإنسان، ويبحث، ويتعلم، ويغوص في تفاصيل هذا العالم.
لكنه، مهما بلغ من العلم، يظل عاجزًا عن الإجابة عن السؤال الأعمق: لماذا؟
يبقى دائمًا شيء لا يُقال، ومعنى لا يُحاط به.
وهنا يفهم أن المعرفة التي يطلبها أكبر من مجرد جمع المعلومات، إنما هي علم يحيط بكل شيء، لا يعتريه النقص. ومن حدود علمه، يُعرف العليم الذي يعرف السر و أخفى.
أما شهوة السعادة، فهي من أكثر الشهوات التباسًا:
يظن الإنسان أنه يجدها في اللذة، أو في الامتلاك، أو في تحقيق ما يريد لكنه يكتشف، بعد كل تجربة، أن ما ظنه سعادة لم يكن إلا لحظة عابرة، يعقبها فراغ أعمق. وكأن السعادة التي يبحث عنها لا تشبه ما يجده في هذا العالم.
و من هذه الشهوة يُعرف الله الكامل الذي لا يشوبه نقصان و الذي وعد بالسعادة اللانهائية في الجنة حيث لا توجد لذات قصيرة مؤقتة و إنما حياه سرمدية
وأخيرًا، شهوة السلام.
يسعى الإنسان إليها بالابتعاد، بالصمت، بالعزلة، بالهرب من ضجيج العالم.
وقد يظن أنه إن ابتعد كفاية، سيصل.
لكنه يكتشف أن السلام الذي لا يُختبر في قلب الفوضى، سلام هش، يمكن أن ينهار عند أول احتكاك.
فالسلام الحقيقي ليس في الهروب من الحياة، بل في الثبات داخلها.
أن يعيش الإنسان بين الناس، ويتحمل، ويصبر، ويضطرب العالم من حوله… ويبقى هو ساكنًا من الداخل.
أليس الله هو السلام؟
وهكذا، تتكشف الحقيقة شيئًا فشيئًا:
أن كل شهوة في الإنسان ليست إلا بابًا لشئ ما يطلبه في عمقه، ليس إلا طلبًا لله عز و جل.
فالحياة تشير إلى الحي والقوة تشير إلى القوي والمعرفة تشير إلى العليم
والسعادة تشير إلى الكامل والسلام يشير إلى السلام.
وعندما يبلغ الإنسان هذا الفهم، لا يعود يرى الله كما يراه و كما تعلم
بل يرى الله كحقيقة قوية جبارة أقرب إليه من حبل الوريد.
مجلة روح الاسلام فيض المعارف