مقتل ابوجهل
9 أبريل، 2026
بستان النبوة

المقال الحادى عشر من سلسلة (تأملات فى غزوة بدر الكبرى).
فضيلة الشيخ/ احمد عزت حسن
الباحث فى الشئون الاسلامية
لما بدأت صفوف جيش قريش تضطرب، أقبل أبو جهل يستحث قومه ويشجعهم، ويقول لهم: لا يهزمنكم خُذلان سراقة إيَّاكم، فإنه كان على ميعاد من محمد، ولا يهولنكم قتل عتبة وشيبة والوليد، فإنهم قد عجلوا، فواللات والعزى لا نرجع حتى نقرنهم بالحبال. ولا ألفين رجلاً منكم قتل منهم رجلاً، ولكن خذوهم أخذًا حتى نعرِّفهم بسوء صنيعهم، وتصدَّعت صفوف المشركين، وبقي حول أبي جهل عصابة من قومه تحمِيه، ثم انفرَجَت عنه العصابة، ورآه المسلمون يجول على فرسه، وأدركه القضاء والقدر، على يدي اثنين من الفتيان حديثِي السِّن. ولندع سيدنا عبد الرحمن بن عوف يحكي لنا ما حدث فيقول رضي الله عنه: إني لفي الصَّف يوم بدر إذ التفت، فإذا عن يميني وعن يساري فتيَان حديثَا السن -فكأني لم آمن بمكانهما- إذ قال لي أحدهما سِرًّا من صاحبه: يا عم، أرني أبا جهل. فقلت: يا ابن أخي، فما تصنع به؟ قال: أخبِرت أنه يسب رسول الله صلى الله عليه وسلم والذي نفسي بيده، لا يفارق سوادي سواده، حتى يموت الأعجَل منا. قال عبد الرحمن بن عوف: فتعجَّبت لذلك.
قال: وغمزني الآخر، فقال لي مثلها، فلم أنشب أن نظرت إلى أبي جهل يجول في الناس.
فقلت: ألا تريان؟ هذا صاحبكما الذي تسألاني عنه. فابتدراه بسيفهما، فضرباه حتى قتلاه، ثم انصرفا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لهما: (أيكما قتله؟). فقال كل واحد منهما: أنا قتلته. قال: (هل مسحتما سيفيكما؟). فقالا: لا. فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى السيفين فقال: (كلاكما قتله).
أما الفتيان اللذان قتلاه فهما الأنصاريان: “معاذ بن عفراء”، ومعوذ بن عفراء” وفي رواية معاذ بن عمرو بن الجموح بدلًا من “معوذ” ،أما معاذ بن عفراء فقد استشهد في بدر، فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بسلب أبي جهل لمعاذ بن عمرو بن الجموح. وقد عاش هذا البدري بعد ذلك حتى كان زمان عثمان.
وتعالوا – مرةً أخرى – نسمع من الطفل معاذ بن عمرو بن الجموح رضي الله عنه وعن أبيه وهو يحكي هذا الموقف في رواية ابن إسحاق وفي رواية ابن سعد في الطبقات يقول: سمعت القوم وأبو جهل في مثل الحرجة -أي الغابة كثيفة الأشجار” الشجرالملف أي: قد أحاط به من يحميه من قومه”- وهم يقولون: أبو الحكم لا يخلص إليه؛ لأنها أهم شخصية في الجيش المكي، يقول معاذ: فلما سمعته جعلته من شأني فصمت نحوه، فلما أمكنني حملت عليه، فضربته ضربة أطنت قدمه “أي: أطارتها ولها طنين” بنصف ساقه، فوالله ما شبهتها حين طاحت إلا بالنواة تطيح من تحت مرضخة النوى حين يضرب بها.. قال معاذ: فلما سمعتها جعلته من شأني، فصمدت نحوه، قال: وضربني ابنه عكرمة على عاتقي فطرح يدي، فتعلقت بجلدة من جنبي، وأجهضني القتال عنه، فلقد قاتلت عامة يومي وإني لأسحبها خلفي، فلما آذتني وضعت عليها قدمي، ثم تمطيت بها عليها حتى طرحتها.
الله أكبر! ضربة من سيف معاذ أطارت ساق أبي جهل! ليس من الطبيعي أبدًا أن معاذًا يفكر في قتل أبي جهل، وليس من الطبيعي أن معاذاً يقدر على الوصول إلى أبي جهل وهو داخل كتيبة عسكرية قوية تحميه، وليس من الطبيعي أن أبا جهل لا يستطيع أن يرد ضربة معاذ، وليس من الطبيعي أن ضربة معاذ تطير ساق أبي جهل هكذا بلحمها وعظمها، بل من الصعب بتر ساق بضربة واحدة، هذا يحتاج إلى فارس محترف متمكن مفتول العضلات، فصعب جداً أن نفهم أن هذا الأمر يأتي من طفل عمره ثلاث عشرة أو أربع عشر سنة، لكن هذا حصل وليس هذا فقط، بل بعد أن ضرب معاذ بن عمرو بن الجموح رضي الله عنه وعن أبيه أبا جهل، جاء معوذ بن عفراء الطفل الثاني الذي كان ينافسه على قتل أبي جهل وضرب أبا جهل ضربة أثبتته. انتهى، ولم يبق فيه إلا رمق بسيط جداً من الحياة، ثم جاء عبد الله بن مسعود روى البخاري عن عبد الله بن مسعود، أنه أتى أبا جهل وبه رمق يوم بدر. فقال أبو جهل: “هل أعمد من رجل قتلتموه”؟! قال أبو عبيد: معناه هل زاد على سيد قتله قومه، هل كان إلاَّ هذا، أي: إن هذا ليس بعار، ومراده بذلك أن يهون على نفسه ما حل به من الهلاك، وأنه ليس بعار عليه أن يقتله قومه، [جاء في “لسان العرب”، لابن منظور “أعمد من سيد قتله قومه”: أي: أعجب، وقال شمر: هذا استفهام، أي: أعجب من رجل قتله قومه؟ وقال ابن هشام: ويقال: أعار على رجل قتلتموه؟ وتأتي: “أعمد” في اللغة بمعنى أعجب.
وروى البخاري عن أنس قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر: (من ينظر ما فعل أبو جهل)؟ فانطلق ابن مسعود، فوجده قد ضربه ابنا عفراء حتى برد، فأخذ بلحيته، فقال: أنت؟ أبا جهل “أي: يا أبا جهل”. قال: وهل فوق رجل قتله قومه؟ أو قال: قتلتموه؟
قال ابن مسعود: فوجدته بآخر رمق، فوضعت رجلي على عنقه، فقلت: أخزاك الله، يا عدو الله؟ قال: وبما أخزاني، هل أعمد من رجل قتلتموه؟!
وروي أن أبا جهل قال: لو غير أكار قتلني، أي: لو غير زارعٍ، لقد استكبر أن يقتله زارع. وروي أن أبا جهل قال لعبد الله بن مسعود بعد أن وصل إليه وجرى ما جرى بينهما من حوار: أخبرني لمن الدائرة اليوم؟ قال ابن مسعود: لله ورسوله.
ووضع ابن مسعود رجله على عنق أبي جهل، فقال له: “لقد ارتقيت مرتقى صعبًا يا رويعِي الغنم” ثم احتز ابن مسعود رأس أبي جهل، وجاء به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، هذا رأس عدو الله أبي جهل.
فقال: آلله الذي لا إله إلا هو؟ آلله الذي لا إله إلا هو؟ آلله الذي لا إله إلا هو؟ وكانت يمين رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم ألقى برأسه إليه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الله أكبر، الحمد لله الذي صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، انطلق أرنيه). قال ابن مسعود: فانطلقنا فأريته إياه، فقال: هذا فرعون هذه الأمة. وفي رواية يونس عن عبدالرحمن بن عوف، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال حين رأى أبا جهل صريعًا: (الحمد لله الذي أعز الإسلام وأهله) ثلاثًا.