عدم الكفاءة من أسباب كثرة الطلاق !


بقلم د. مصطفى القليوبي

بسم الله، وبعد :
فإنني جلست أدرس أسباب المشاكل الأسرية، فوجدت أحد الأسباب الخفية نوعا ما، ألا وهي الكفاءة بين الرجل والمرأة، وقد اشترط كثير من الفقهاء وجود تكافؤ بين الرجل والمرأة، وقد كتبت عنها منشورا على الصفحة، لمن أراد المراجعة.

إن قضيةَ الكفاءةِ ليست ترفًا فكريًّا، ولا قيدًا اجتماعيًّا يُتشدَّد فيه بلا موجب، بل هي ركنٌ أصيلٌ في استقامة الحياة الزوجية، وعمودُ توازنها النفسي والعقلي.

فحيث وُجد التكافؤُ في الدين، والعقل، والوعي، ونمط التفكير، ودرجة النضج؛ وُجد الانسجام، وسَهُلَت الطاعة، واستقرَّت المودة. وحيث اختلَّ هذا الميزان، نشأ اضطرابٌ خفيٌّ يتسرَّب إلى تفاصيل الحياة كلِّها.

فالمرأةُ إذا رأت زوجَها دونها فكرًا، أو أضعفَ منها شخصيةً، أو أقلَّ وعيًا وإدراكًا، فإنها – وإن كتمت – لا تستطيع أن تنزع من داخلها هذا التقييم.

إذ النفوسُ لا تُخادع في إدراكها، ولا تُغيِّر قناعاتها لمجرد التكليف. فتنظر إليه بعين النقد لا بعين التقدير، وبعين المراجعة لا بعين التسليم؛ فتفقد الطاعةُ معناها الطبيعي، وتتحول إلى عبءٍ ثقيلٍ على النفس.

وهنا يقع التصادم: تُطالَب بالطاعة، بينما رؤيتها له لا تُنتج في داخلها ما يُعين على الطاعة. فهي لا ترى فيه موضعَ قيادةٍ، ولا أهليةَ توجيه، بل ربما رأت قراراته مضطربة، أو اختياراته سطحية، أو تأثره بالآخرين دون تمحيص؛ فينشأ داخلها صراعٌ بين ما تعتقده صوابًا، وبين ما يُطلب منها شرعًا ونظامًا.

وليس هذا تمرُّدًا خُلقيًّا في أصله، بقدر ما هو نتيجةُ خللٍ في البناء من البداية.
إذ كيف يُطلب من النفس أن تُسلِّم لمن لا تثق برأيه، أو تنقاد لمن لا تطمئن إلى قيادته؟

وتأمَّل هذا المثال: لو وُضع مديرٌ على رأس مؤسسة، وتحت يده موظفون يفوقونه علمًا، وأرجحُ منه عقلًا، وأوسعُ خبرةً؛ فكيف تكون حالُ العمل؟
أستكون الطاعةُ له دافعًا للنجاح، أم سببًا في تعطُّل المصالح؟

ألن يتحول الأمر إلى مقاومةٍ صامتة، أو تنفيذٍ شكليٍّ بلا قناعة، أو التفافٍ على قراراته؟
بل قد يصل الحال إلى فقدان الهيبة أصلًا، فلا يُنظر إليه إلا بوصفه منصبًا لا قيمةَ له في ميزان الكفاءة.

كذلك البيتُ تمامًا: إذا فقد الرجلُ في عين زوجته مقوماتِ القيادة – علمًا، وحكمةً، ورجاحةً – لم تعد الطاعةُ عندها انقيادًا طبيعيًّا، بل صارت تكلفًا، وربما نفاقًا سلوكيًّا تُظهر فيه القبول وتُبطن الرفض.

ومن هنا تظهر الآثارُ السيئة لغياب التكافؤ:
توترٌ دائم، ونزاعٌ داخلي، وضعفُ احترامٍ خفي، وتآكلٌ تدريجيٌّ في المودة، وربما انقلبت العلاقةُ إلى صراعِ عقولٍ لا سكنَ قلوب.

فالمشكلةُ في حقيقتها ليست في مبدأ الطاعة، وإنما فيمن يُطلَب له هذا المقام:

هل هو أهلٌ له؟
هل تراه النفسُ مستحقًّا له؟
فإذا استقام الأصل، استقامت الفروع، وإذا فسد الأساس، لم تُغنِ الأوامرُ شيئًا.