التيسير في المهر مطلب شرعي وعرفي
3 أبريل، 2026
بناء الأسرة والمجتمع

بقلم د : مصطفى القليوبى الشافعى
بسم الله، وبعد :
فما أشدَّ ما يعتصر القلوب في هذا الزمان:
أن ترى جيلًا كاملًا من الشباب قد ضاق به طريق العفاف، لا لقلة الرغبة، ولا لفساد الفطرة، ولكن لأغلالٍ ثقيلةٍ من واقعٍ اقتصاديٍّ خانق، وعوائدَ اجتماعيةٍ متصلّبة، ومطالبَ تُثقل الكاهل حتى تكاد تُعجز القادر، فضلًا عن غيره.
فأصبح الزواج – الذي جعله الله سكنًا ورحمةً ومودّة – مشروعًا مُرهِقًا، تحيط به الشروط، وتُغلِّفه التكاليف، حتى صار كثير من الشباب يراه حلمًا مؤجلًا، أو بابًا موصدًا إلا على القليل.
وإن من أعجب العجب أن يتحول باب التيسير الذي دعا إليه الشرع إلى باب تعسير، وأن تُجعل “الشبكة” – وهي في أصلها هدية – شرطًا لازمًا، وأن يُكلَّف الشاب ما لا يطيق من أثاثٍ فاخرٍ، ومظاهرَ زائفة، لا تزيد الحياة سعادة، ولا تُقيم بيتًا على أساسٍ متين.
أيُّ حكمةٍ في أن يُطالَب شابٌّ في أول طريقه أن يُؤسِّس حياةً كاملةً لم يعشها بعد؟!
وأيُّ عدلٍ في أن يُحمَّل ثمن غرفة أطفالٍ وهو لم يُرزق ولدًا بعد؟!
يا بنات المسلمين، ويا أولياء الأمور:
اتقوا الله في شباب الأمة، واتقوا الله في بناتكم؛ فإنكم إن يسّرتم يسّر الله عليكم، وإن شدّدتم شدّد الله عليكم.
تزوجن ممن يُعرف بدينه وخلقه، ومن يملك القدرة على النفقة بالمعروف، ولا تجعلوا الكمال الموهوم حائلًا دون الخير المحقق.
تزوجوا بالموجود، وابدؤوا بالقليل، فإن البركة ليست في كثرة المتاع، ولكن في رضى الله، وحسن القصد، وصفاء القلوب.
والله ما رأينا – عن تجربةٍ لا عن تنظير – بيتًا بُني على اليسر إلا ووسّع الله على أهله بعد ذلك، ولا زواجًا بدأ بالقليل إلا وأغناه الله من فضله، ورزق أهله سعةً وبركةً لا تُقاس بالأرقام ولا تُشترى بالأموال.
هذا ليس خطابًا عاطفيًا، ولا إنشاءً يُقال، بل هو واقعٌ يتكرر، وسُنّةٌ ماضية، توافق توجيه الشرع الذي ما دلّ إلا على خير، ولا أرشد إلا إلى رشد.
فخفّفوا، يرحمكم الله، وعودوا إلى ميزان الشرع، فإنكم لن تجدوا أهدى منه سبيلًا، ولا أصدق منه دليلًا.
وليس المقصود من الزواج إقامةَ مظاهر، ولا استعراضَ مقدرة، وإنما إقامةُ بيتٍ تُبنى لبناته على السكينة والمودّة، ويُستفتح ببركة الطاعة والتيسير. وكلما كان الباب أيسر، كان الخيرُ أوسع، وكانت البركةُ أظهر.
عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله ﷺ:
«أعظمُ النساءِ بركةً أيسرُهنَّ مؤونةً»
– رواه أحمد (6/145)، والحاكم (2/181)، وصححه، ووافقه الذهبي.
وعن عقبة بن عامر رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال:
«خيرُ الصداقِ أيسره»
– رواه أبو داود (2117)، وصححه ابن حبان (4095)، والحاكم (2/181).
وعن سهل بن سعد رضي الله عنه:
أن امرأةً جاءت إلى النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله، إني وهبتُ نفسي لك، فقام رجل فقال: يا رسول الله، زوّجنيها إن لم يكن لك بها حاجة، فقال: «هل عندك من شيء تُصدِقها؟» قال: ما عندي إلا إزاري، فقال: «إن أعطيتَها إزارك جلستَ لا إزار لك، فالتمس شيئًا»، قال: لا أجد، قال: «التمس ولو خاتمًا من حديد»، فلم يجد، فقال: «هل معك من القرآن شيء؟» قال: نعم، قال: «زوّجتكها بما معك من القرآن»
رواه البخاري (5121)، ومسلم (1425).
وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال:
«لا تُغالوا في مهور النساء، فإنها لو كانت مكرمةً في الدنيا أو تقوى عند الله، لكان أولاكم بها النبي ﷺ، ما أصدق رسول الله ﷺ امرأةً من نسائه ولا أُصدِقت امرأةٌ من بناته أكثر من اثنتي عشرة أوقية»
– رواه الترمذي (1114)، وقال: حسن صحيح
وعن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه:
أن النبي ﷺ قال له حين تزوّج: «أوْلِم ولو بشاة»
– رواه البخاري (5155)، ومسلم (1427).
(ومع كونه من الأغنياء، لم يُنقل عنه مغالاة في المهر، بل كان الأمر على اليسر).
ومن آثار السلف وقصصهم:
كان عليٌّ رضي الله عنه حين تزوّج فاطمة رضي الله عنها، لم يكن عنده إلا درعٌ، فجعله صداقًا لها
رواه أبو داود (2125)، والنسائي (3375)
قال سعيد بن المسيّب رحمه الله:
«من بركة المرأة خفةُ مهرها»
رواه ابن أبي شيبة في المصنف (3/403).
وقال عمر بن عبد العزيز رحمه الله:
«أقِلّوا من المهور، فإن الرجل إذا أُثقِل بالمهر، حمل ذلك في نفسه على عداوة المرأة»
رواه ابن أبي شيبة (3/403).
وكان بعض السلف يقول:
«إذا تزوّج الرجل المرأة لدينها، وأُعين على ذلك بالتيسير، دام الودّ، وسلم الصدر».
الخاتمة :
(الأثر على الزوجين والمجتمع):
إن التيسير في المهور يفتح باب الزواج، ويغلق أبواب الفتنة، ويعين الشباب على العفاف، ويُشيع في المجتمع روح التعاون بدل التنافس في المظاهر.
وفي حياة الزوجين خاصةً:
يكون الزواج أصفى نية، وأبعد عن المنّ والتثقيل، وأقرب إلى دوام المودّة؛ إذ لم يُبنَ على كلفةٍ تُورث ضيقًا، ولا على ديونٍ تُثقِل القلب، بل على يسرٍ يباركه الله، ويُنمّيه مع الأيام.
فحيث وُجد التيسير، وُجدت البركة، وحيث حُورب التكلّف، قامت البيوت على السكينة، لا على الدَّين والتعب.
اللهم وفّق شباب المسلمين وبناتهم لكل خير، ويسّر لهم سبل الحلال، وبارك لهم في بيوتهم وأرزاقهم، واجعل حياتهم قائمةً على السكينة والمودة والرحمة.