الاستقامة على الطاعة الجزء الثانى
25 مارس، 2026
منبر الدعاة

بقلم / أ . د : السيد أحمد سحلول
أستاذ الحديث الشريف وعلومه في كلية أصول الدين والدعوة في المنصورة ، وعضو الاتحاد العالمي للغة العربية.
نستكمل ما ابتدأناه فى المقال السابق حتى نبقى على عهد الطاعة لله عز وجل ولا ننقضه ، ونحاول أن نتعايش مع الأجواء الرمضانية بما فيه من طاعات وقربات فمن تلك القربات:
صوم عاشوراء يُكفر ذنوب السنة الماضية ،كما في حديث أبي قتادة السابق.
وعَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى يَزِيدَ أنه سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ـ ، وَسُئِلَ عَنْ صِيَامِ يَوْمِ عَاشُورَاءَ؟. فَقَالَ: “مَا عَلِمْتُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم صَامَ يَوْمًا يَطْلُبُ فَضْلَهُ عَلَى الأَيَّامِ إِلاَّ هَذَا الْيَوْمَ وَلاَ شَهْرًا إِلاَّ هَذَا الشَّهْرَ” – يَعْنِى رَمَضَانَ.
ويسن أن يصوم يومًا قبله مخالفةً لليهود فعن عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ـ يَقُولُ حِينَ صَامَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَوْمَ عَاشُورَاءَ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهُ يَوْمٌ تُعَظِّمُهُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:« فَإِذَا كَانَ الْعَامُ الْمُقْبِلُ – إِنْ شَاءَ اللَّهُ – صُمْنَا الْيَوْمَ التَّاسِعَ ». قَالَ فَلَمْ يَأْتِ الْعَامُ الْمُقْبِلُ حَتَّى تُوُفِّىَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم.
وفي رواية :« لَئِنْ بَقِيتُ إِلَى قَابِلٍ لأَصُومَنَّ التَّاسِعَ ».
وعَنِ الْحَكَمِ بْنِ الأَعْرَجِ قَالَ : انْتَهَيْتُ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ – رضى الله عنهما – وَهُوَ مُتَوَسِّدٌ رِدَاءَهُ فِى زَمْزَمَ فَقُلْتُ لَهُ : أَخْبِرْنِى عَنْ صَوْمِ عَاشُورَاءَ. فَقَالَ : إِذَا رَأَيْتَ هِلاَلَ الْمُحَرَّمِ فَاعْدُدْ وَأَصْبِحْ يَوْمَ التَّاسِعِ صَائِمًا. قُلْتُ : هَكَذَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَصُومُهُ قَالَ: نَعَمْ.
ومن تمام المخالفة : صيام يوم بعد عاشوراء.
فعن ابْنِ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ـ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: “صُومُوا يَوْمَ عَاشُورَاءَ ،وَخَالِفُوا فِيهِ الْيَهُودَ صُومُوا قَبْلَهُ يَوْمًا أَوْ بَعْدَهُ يَوْمًا”.
وصيام الاثنين والخميس .
فعن عائِشَةَ ـ رَضِيَ اللَّه عَنْها ـ قالت : “كانَ النبيّ صلى الله عليه وسلم يَتَحَرّى صَوْمَ الاثْنَيْنِ والخَمِيسِ”.
وذلك لأن أعمال العباد في الأسبوع تُعْرض على الله عز وجل في هذين اليومين
فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضى الله عنه عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ :” تُعْرَضُ أَعْمَالُ النَّاسِ فِي كُلِّ جُمُعَةٍ مَرَّتَيْنِ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ ، وَيَوْمَ الْخَمِيسِ ، فَيُغْفَرُ لِكُلِّ عَبْدٍ مُؤْمِنٍ إِلَّا عَبْدًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ شَحْنَاءُ فَيُقَالُ: اتْرُكُوا” أَوْ “اتركُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَفِيئَا”.
وصيام أيام البيض ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة من كل شهر.
فعن أَبِي هُرَيْرَةَ رضى الله عنه قَالَ : “أَوْصَانِي خَلِيلِي صلى الله عليه وسلم بِثَلَاثٍ بِصِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ ، وَرَكْعَتَيْ الضُّحَى ، وَأَنْ أُوتِرَ قَبْلَ أَنْ أَرْقُدَ” .
والإكثار من الصوم في شعبان:
عَنِ ابْنِ أَبِى لَبِيدٍ عَنْ أَبِى سَلَمَةَ قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ ـ رَضِيَ اللَّه عَنْها ـ عَنْ صِيَامِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَتْ : “كَانَ يَصُومُ حَتَّى نَقُولَ قَدْ صَامَ. وَيُفْطِرُ حَتَّى نَقُولَ قَدْ أَفْطَرَ. وَلَمْ أَرَهُ صَائِمًا مِنْ شَهْرٍ قَطُّ أَكْثَرَ مِنْ صِيَامِهِ مِنْ شَعْبَانَ كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ كُلَّهُ كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ إِلاَّ قَلِيلاً”.
وعَنْ عَائِشَةَ ـ رَضِيَ اللَّه عَنْها ـ قَالَتْ : لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِى الشَّهْرِ مِنَ السَّنَةِ أَكْثَرَ صِيَامًا مِنْهُ فِى شَعْبَانَ وَكَانَ يَقُولُ: « خُذُوا مِنَ الأَعْمَالِ مَا تُطِيقُونَ فَإِنَّ اللَّهَ لَنْ يَمَلَّ حَتَّى تَمَلُّوا ». وَكَانَ يَقُولُ: « أَحَبُّ الْعَمَلِ إِلَى اللَّهِ مَا دَاوَمَ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ، وَإِنْ قَلَّ ».
وعلى المسلم أن يحرص على الإكثار من الصيام في تلك الأيام سيما إذا جاء صومها في فصل الشتاء ؛لأن الصوم في الشتاء غنيمة لا تعب فيها.
فعَنْ عَامِرِ بْنِ مَسْعُودٍ الْجُمَحِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ” الصَّوْمُ فِي الشِّتَاءِ الْغَنِيمَةُ الْبَارِدَةُ “.
أي لا تَعب فيه ولا مَشقَّة وكل محبوب عندهم بارد . وقيل: معناه الغنيمة الثابتة المسْتَقرَّة من قولهم بَرَدَ لِي على فلان حَقٌّ أي ثَبت.
أو الطيبة من برد الهواء إذا طاب والأصل في وقوع البرد عبارة عن الطيب.
وأيضًا إن الهواء والماء لما كان طيبهما ببردهما سيما من بلاد تهامة والحجاز قيل: هواء بارد وماء بارد على سبيل الاستطابة ثم كثر حتى قيل: عيش بارد وغنيمة باردة.
ومعناه الصائم في الشتاء يحوز الأجر من غير أن تمسه مشقة الجوع.
وليكن عهدك – أخى العزيز – من رمضان المداومة على الطاعات بعده والاستمرار فيها ، كما كان دأب سلفنا الصالح ـ رضوان الله عليهم أجمعين ـ فإذا جاءت مواسم الطاعات زاد اجتهادهم فيها.
فكان النبي صلى الله عليه وسلم يداوم عل فعل الصالحات سائر العام ، ولا يخص بها بعض الأيام دون بعض.
فعَنْ عَلْقَمَةَ قَالَ : سَأَلْتُ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَـ رَضِيَ اللَّه عَنْها ـ قَالَ: قُلْتُ : يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ كَيْفَ كَانَ عَمَلُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ؟هَلْ كَانَ يَخُصُّ شَيْئًا مِنَ الأَيَّامِ ؟ قَالَتْ : “لاَ. كَانَ عَمَلُهُ دِيمَةً وَأَيُّكُمْ يَسْتَطِيعُ مَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَسْتَطِيعُ”.
قولها :”كان عمله ديمة ” أي يدوم عليه ولا يقطعه.
وعن الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ عَائِشَةَـ رَضِيَ اللَّه عَنْها ـ قَالَتْ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «أَحَبُّ الأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى أَدْوَمُهَا وَإِنْ قَلَّ». قَالَ: وَكَانَتْ عَائِشَةُ إِذَا عَمِلَتِ الْعَمَلَ لَزِمَتْهُ.
ولا يجوز لمن قام بعمل أن ينقطع عنه، ويداوم عليه حسب طاقته.
فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ـ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : « يَا عَبْدَ اللَّهِ لاَ تَكُنْ بِمِثْلِ فُلاَنٍ كَانَ يَقُومُ اللَّيْلَ فَتَرَكَ قِيَامَ اللَّيْلِ ».
قال النووي : ينبغي الدوام على ما صار عادة من الخير ، ولا يفرط فيه.
وقال ابن حيان: فيه جواز ذكر الشخص بما فيه من عيب إذا قصد بذلك التحذير من صنيعه.
ويستنبط منه كراهة قطع العبادة ، وإن لم تكن واجبة.
ومواسم الطاعات لا تنقطع ، وعلى المرء منا أن يحرص عليها، ومن ذلك عشر ذي الحجة.
فقد أقسم الله عز وجل بليالي هذه الأيام فقال عز من قائل : (وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ) الفجر : 1 ، 2 .
وبين الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم أن العمل الصالح في هذه العشر أفضل من العمل في غيرها؛ لمكانتها وعظم منزلتها عند الخالق جلا وعلا .
فعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ـ رضى الله عنهما ـ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ : ” مَا الْعَمَلُ فِي أَيَّامٍ أَفْضَلَ مِنْهَا فِي هَذِه ِ ” قَالُوا : وَلَا الْجِهَادُ ، قَالَ : “وَلَا الْجِهَادُ إِلَّا رَجُلٌ خَرَجَ يُخَاطِرُ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءٍ “.
وعن جابرٍ رضى الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : “ما من أيام أفضل عند الله من أيام عشر من ذي الحجة “.
والعبد منا إذا داوم على الطاعة بعد رمضان فهذا دليل على قبول أعماله في رمضان فمن علامات قبول العمل: أن يوفقك الله إلى عمل صالح بعده.