ماذا بعد شهر رمضـان ؟
24 مارس، 2026
منبر الدعاة

بقلم :أ.د. محمد جمال أبو سنينة
مدير المركز القانوني لفض النزاعات
الخبير بمجمع الفقه الإسلامي بكندا
قاضي محكمة الاستئناف الشرعية سابقاً
كونوا ربانيين ولا تكونوا رمضانيين
قال تعالى: ” وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ”
الحمد لله، أحمد ربي بما حمد به نفسه، وأصلى وأسلم على من لا نبي بعده، وبعد:
أيها المسلمون: كأن شهر رمضان لم يكن، فقد انقضى ومضى ما مضى، فقد مضت أيام تمر مر السحاب، عشية تمضي وتأتي بكرة، والزمن يجري بسرعة عجيبة، وحياة الإنسان كحبل ممدود، لا يدرى متى ينقطع، وأن من يعش يكبر ومن يكبر يمت، والمنايا لا تبال ما أتت، وأن كل اجتماع فإلي افتراق وأن الدهر ذو فتح وذو إغلاق.
إن شهر الصيام قد انقضى؛ إلا أن زمن العمل الصالح والنية الصالحة لا ينتهي، وهذا يعني أن على الإنسان المسلم أن يجتهد بعد شهر رمضان في طاعة الله تعالى، والتقرب إليه سبحانه في كل شأنٍ من شؤون حياته كما كان يجتهد لذلك في شهر رمضان، لأن رب الشهور واحد سبحانه، ولأنه جل في عُلاه هو الذي فرض الطاعات وشرعها للعباد، وهو الذي حث على الإتيان بها والمحافظة عليها في شهر رمضان وفي غيره من الشهور، وهو الذي لا يُضيع أجر المُحسنين .
ولئن كان فضل رمضان قد ولى؛ وفاز به من فاز من العباد؛ فإن فضل الله تعالى وكرمه لا يزال باقيًا ومُستمرًا إلى قيام الساعة، وهو سبحانه يؤتيه من يشاء، ويوفق إليه من يُحب ويختار، وخير دليلٍ على ذلك أنه سبحانه وتعالى قد شرع لنا من الطاعات ما يُقربنا إليه ويُكسبنا ثوابه ويُبلغُنا الدرجات العلا من الجنة؛ فقد شُرع لنا صيام التطوع في غير شهر رمضان، لما صحَّ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: “من صام رمضان ثم أتبعه ستًا من شوال كان كصيام الدهر ” صحيح مسلم الرقم1164.
وحث على صوم ثلاثة أيامٍ من كل شهر، وصيام يومي الاثنين والخميس من كل أسبوع، وصيام عشر ذي الحجة، ومنها صيام يوم عرفة، والصيام في شهر الله المُحرم كيوم عاشوراء ويومٍ قبله أو بعده، وغير ذلك من الأيام على مدار العام.
ودعانا إلى المحافظة على قيام الليل بالصلاة وبيان فضل ذلك، فعن حميد بن عبد الرحمن قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ” أفضل الصلاة بعد الفريضة قيام الليل ” صحيح مسلم الرقم1163.
وهناك عبادات أُخرى منها الإكثار من الصدقات ولو بالقليل، وتفقد أحوال الفقراء من الناس، والإحسان إلى المحتاجين منهم ولو بالشيء اليسير، وهي من أفضل الطاعات والقُربات إلى الله تعالى الذي قال في كتابه العظيم: ” إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ” سورة يوسف: 88. وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في فضلها: ” مَن تَصَدَّقَ بعَدلِ تَمرةٍ مِن كَسبٍ طَيِّبٍ، ولا يَقبَلُ اللهُ إلَّا الطَّيِّبَ، وإنَّ اللهَ يَتَقَبَّلُها بيَمينِه، ثُمَّ يُرَبِّيها لصاحِبِه كما يُرَبِّي أحَدُكُم فَلُوَّه، حتَّى تَكونَ مِثلَ الجَبَلِ ” رواه البخاري برقم 1410، ومسلم برقم 1014.
كما أن ذكر الله تعالى تسبيحًا وتهليلاً وتكبيرًا واستغفارًا وحمدًا وشُكرًا إلى غير ذلك، يُعد من الطاعات التي لا ينبغي للمُسلم أن يغفل عنها في أي وقتٍ من الليل أو النهار، وأن يحرص على إشغال نفسه بها في السر والعلن، وأن يجتهد في المحافظة عليها، وتعويد اللسان على الإتيان بها دائمًا لما في ذلك من تعظيم شأن الله تعالى، وإشغال الجوارح بما فيه الفلاح والصلاح والنجاح، ولذلك قال تعالى: “وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً” سورة الأحزاب: 42، وقال تعالى: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً ” سورة الأحزاب: 41. وكان رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَسيرُ في طَريقِ مَكَّةَ، فمَرَّ على جَبَلٍ يُقالُ له: جُمدانُ، فقال: سيروا، هذا جُمدانُ، سَبَقَ المُفَرِّدونَ، قالوا: وما المُفَرِّدونَ يا رَسولَ اللهِ؟ قال: الذَّاكِرونَ اللهَ كَثيرًا والذَّاكِراتُ” رواه مسلم برقم: 2676، وليس هذا فحسب، فكل عملٍ أو قولٍ أو نيةٍ صالحة؛ إنما هي من أعمال البر والإحسان والطاعات والقُربات التي يتقبلها الله تعالى من العباد، ويُكافئ عليها بعظيم الأجر وجزيل الثواب
تذّكروا أن طُرق الخير كثيرة، وأن سُبل الفلاح مُيسرّة، وأبواب الجنة ثـمانية، ورحمة الله تعالى وسعت كل شيء.
فيا من عرفت في شهر رمضان أن لك ربًا لطيفًا بعباده هل تنسى ذلك بعد رمضان ؟
ويا من حافظت على أداء الصلوات جماعةً في المساجد، هل تتجاهل ذلك بعد رحيل رمضان؟
ويا من تركت المعاصي وهجرت الخطايا في شهر رمضان، هل تعود إليها بعد رمضان؟
ويا من تصدقت وبذلت، وأطعمت وأسقيت في رمضان، هل تغفل عن ذلك بعد رمضان؟
ويا من حافظت على تلاوة القرآن في رمضان، هل تترك ذلك الخير عندما انتهى رمضان؟
ويا من وفقت إلى الصيام والقيام والدعاء والذكر في رمضان، هل تترك ذلك بعد رمضان؟
إن من الخُسران المبين أن يودع بعض الناس تلك الأعمال الصالحة بعد نهاية شهر رمضان، وإن من الفهم الخاطئ لشعائر الإسلام أن يكون العمل بالطاعات في مواسم معينة، وأن يكون الإقبال على العبادات محصوراً في أوقاتٍ مُحددة، وهذا أمرٌ مخالف لتعاليم الدين، ولا يتفق مع هدي سيد المرسلين عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم .
ولذا فإن من وقع في التقصير بعد التمام أو تمكنت منه الذنوب بعد الإقلاع عنها، لهو ممن باعد نفسه عن الفوز بالطاعة، ولو خص نفسه بعبادة موسمية إذا كان مسلوباً لذة المناجاة وحلاوة التعبد، خلافاً لرجال مؤمنين ونساء مؤمنات من عباد الشهور كلها شوال عندهم كرمضان والتقرب إلى الله عندهم لا ينقطع إلا بالموت ” وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ ” سورة الحجر: 99.
أيها المؤمن: لقد ذقت شيئاً من طعم العبادة في رمضان فلا تعكرن هذا الطعم بما يشينه، وعليك بالدوام وإن قل فليست العبرة بالكم، وإنما هي بالكيف، فقد قال سبحانه : “الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ ” سورة الملك: 2. ولم يقل أكثر عملاً ، وقال الحسن البصري رحمه الله: يا قوم المداومة المداومة، فإن الله لم يجعل لعمل المؤمن أجلاً دون الموت، فلم يجعل الله في الآية الكريمة “وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ” سورة الحجر: 99، حداً زمانياً، أو مكانياً، أو كمية من العمل، إذا وصل إليها العبد توقف عن العبادة وإنما جعل ذلك حتى الموت، المصدر: المحجة في سير الدلجة ص 71 ابن رجب، دار البشائر الاسلامية ط3 – 1409هـ.
اعلموا أن الفرص تفوت، وأن أجل الإنسان موقوت، وإقامته في هذه الدنيا محدودة، وأيامه فيها معدودة، وأن الآخرة هي دار القرار، والمصير فيها إلى الجنة أو النار، إن سعادتك أو شقاوتك تتركز على هذه الأيام التي تقيمها في الدنيا، وعلى نوعية العمل الذي تقدمه لنفسك في خلال هذه الأيام، فإما أن تكون من الذين يقال لهم غدا: ” كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأَيَّامِ الْخَالِيَةِ” سورة الحاقة: 24، وإما أن تقول هناك: ” أن تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتىٰ عَلَى مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ وَإِن كُنتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ ” سورة الزمر: 56.
إن ربنا سبحانه وتعالى يحثنا على المبادرة بالأعمال الصالحة قبل فوات وقتها، ويعرض علينا أغلى وأعلى السلع بأيسر الأسعار فيقول سبحانه: “وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ” سورة آل عمران: 133، ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم: ” من خاف أدلج ومن أدلج بلغ المنزل ألا إن سلعة الله غالية ألا إن سلعة الله الجنة ” أخرجه الترمذي برقم: 2450، ويقول صلى الله عليه وسلم: “الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني” أخرجه الترمذي برقم: 2459.
أيها الناس: اتقوا الله تعالى، وتابعوا فعل الخيرات فإن من علامة قبول الحسنة فعل الحسنة بعدها، وما شهر رمضان إلا منشط على الخير ومبدأ للتوبة والعمل الصالح، ونهاية العمل تكون بالموت لا بخروج رمضان، وإن من علامة قبول التوبة والأعمال الصالحة في رمضان أن يكون الإنسان بعد رمضان أحسن حالاً في الطاعة عما كان عليه قبل رمضان، ومن علامة الرد والخذلان أن يكون الإنسان بعد رمضان أسوأ حالاً مما كان عليه قبله، فتنبهوا واعلموا أن باب التوبة مفتوح دائماً، فمن فاتته التوبة في رمضان فلا يقنط من رحمة ربه، بل يبادر بالتوبة، فإن الله يتوب على من تاب، ويغفر الذنوب لمن رجع إليه وأناب، قال تعالى: ” قُلْ يٰعِبَادِىَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ” سورة الزمر: 53، وقال تعالى: “وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَـنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى” سورة طه: 82.
نسأل الله تعالى أن يثبتنا على الطاعة وأن يتقبل صيامنا وقيامنا إنه سميع قريب مجيب الدعاء.