الإتيكيتُ الإسلاميُّ.. رُقِيُّ المَسْلَكِ في جَوْهَرِ المُعاملةِ
24 مارس، 2026
منبر الدعاة

بقلم فضيلة الشيخ أحمد إسماعيل الفشني
الحمدُ للهِ الذي جَمَّلَ بَواطِنَ أصفيائِهِ بنُورِ اليقينِ، وزَيَّنَ ظواهرَهم بأحسنِ الآدابِ والتمكينِ، والصلاةُ والسلامُ على سيِّدِنا رسولِ اللهِ ﷺ، الذي كانَ خُلُقُهُ القرآنَ، فَعَلَّمَ الدنيا كَيْفَ يكونُ الإنسانُ إنساناً، وعلى آلِ بيتِهِ الأطهارِ وصحابتِهِ الأخيارِ، ساداتِ الأدبِ ومصابيحِ الأرَبِ، رضيَ اللهُ عنهم أجمعينَ.
أيُّها السادةُ الكرامُ.. إنَّ البعضَ يَظُنُّ أنَّ مَفاهيمَ “الإتيكيتِ” والرُّقِيِّ الاجتماعيِّ مَصطلحاتٌ وافدةٌ، بَيْدَ أنَّ الحقيقةَ الساطعةَ كشمسِ الضُّحى تَقُولُ: إنَّ جَوْهَرَ الرُّقِيِّ بَدَأَ مِنْ مشكاةِ النبوةِ. فالإسلامُ ليسَ مجردَ طقوسٍ تُؤدَّى، بل هو “فَنُّ التعايُشِ” بأعلى صُوَرِهِ، وجَمَالُ المَسلكِ في أدقِّ تفاصيلِهِ. يقولُ اللهُ عزَّ وجلَّ لِنبيِّهِ الكَرِيمِ ﷺ: {وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ} (القلم: 4). فالخُلُقُ العظيمُ هو الجامعُ لِكُلِّ فُنونِ التعاملِ الراقي التي تَنْشَرِحُ لها الصدورُ.
أيُّها السادةُ الكرامُ.. تأملوا في “إتيكيتِ الاستئذانِ والزيارةِ” الذي رَسَمَهُ الوحيُ؛ فالمؤمنُ لا يَقتحمُ الخصوصياتِ، ولا يُثقِلُ على مَنْ يَزورُ. انظروا إلى دقةِ التوجيهِ النبويِّ لسيِّدِنا رسولِ اللهِ ﷺ فيما رواهُ البخاريُّ عَنْ سيِّدِنا أبي هريرةَ رضيَ اللهُ عَنْهُ: “إِذَا اسْتُأْذِنَ علَى أَحَدِكُمْ ثَلَاثًا فَلَمْ يُؤْذَنْ له فَلْيَرْجِعْ”. هذا الرُّقِيُّ يَمْنعُ الإحراجَ، ويُراعي أحوالَ الناسِ النفسيةَ والبدنيةَ، وهو لُبُّ ما تَنْشُدُهُ بَرُوتُوكُولاتُ العَصْرِ الحديثِ.
ولقد كانَ لِسيِّدِنا رسولِ اللهِ ﷺ في مَجْلِسِهِ طابعٌ من الجمالِ يَأْسِرُ القلوبَ؛ فقد كانَ يُقْبِلُ بوجهِهِ وكُلِّيَّتِهِ على مَنْ يُحدِّثُهُ، ولو كانَ صغيراً، فَيُشْعِرُهُ بأنَّهُ أهمُّ مَنْ في المَجلسِ. ورَوَى سيِّدُنا جريرُ بنُ عبدِ اللهِ رضيَ اللهُ عَنْهُ قالَ: “مَا حَجَبَنِي النبيُّ ﷺ مُنْذُ أسلمتُ، ولا رآني إلَّا تبسَّمَ في وجْهِي”. أليسَ هذا هو التَّرْحيبُ الراقي الذي تَبحثُ عَنْهُ الأنفسُ المتعبةُ؟
أيُّها السادةُ الكرامُ.. تأملوا في حَالِ ساداتِنا الصحابةِ وأهلِ البصائرِ؛ ففي مَوقِفٍ يَنمُّ عَنْ عُمْقِ الأدبِ، ذَهَبَ سيِّدُنا ابنُ عباسٍ رضيَ اللهُ عنهما -وهو حَبْرُ الأمةِ وابنُ عَمِّ النبيِّ ﷺ- إلى بَيْتِ سيِّدِنا زيدِ بنِ ثابتٍ رضيَ اللهُ عَنْهُ لِيَسْأَلَهُ في العِلْمِ، فَجَلَسَ عندَ بَابِهِ وسَفَتِ الرِّياحُ عَلَيْهِ الترابَ، فَلَمَّا خَرَجَ سيِّدُنا زيدٌ قالَ: “يا ابنَ عَمِّ رسولِ اللهِ، هلا أَرْسَلْتَ إليَّ فَآتِيكَ؟”، فقالَ سيِّدُنا ابنُ عباسٍ: “هكذا أُمِرْنَا أنْ نَفْعَلَ بالعلماءِ”. فَقَبَّلَ سيِّدُنا زيدٌ يَدَهُ وقالَ: “وهكذا أُمِرْنَا أنْ نَفْعَلَ بآلِ بَيْتِ نبيِّنا”. يا لَهُ من رُقِيٍّ متبادَلٍ يَحفظُ المَقاماتِ ويَنْشرُ المَحبةَ!
وكما قالَ الشاعرُ في فَضْلِ الأدبِ:
لَيْسَ الجَمَالُ بأَثْوَابٍ تُزَيِّنُنَا ** إنَّ الجَمَالَ جَمَالُ العِلْمِ والأَدَبِ
إِذَا مَا جَمَعْتَ بَيْنَ عِلْمٍ وعِفَّةٍ ** فَقَدْ نِلْتَ حَظّاً في الحَيَاةِ مُرَغَّبِ
أيُّها السادةُ الكرامُ.. لِنَجْعَلَ من إسلامِنا سُلوكاً مَلْموساً، إليكم هذهِ “الخلاصاتِ النافعةِ” لِرُقِيِّ المَسلكِ:
-
فَنُّ الإنصاتِ: تَعَلَّمْ أنْ تَسْمَعَ أكثرَ مِمَّا تَتكلمَ، فالمؤمنُ حَلِيمٌ لا يُقاطِعُ حَدِيثَ غيرِهِ.
-
رُقِيُّ الاعتذارِ: إذا أَخطأتَ فَبادِرْ بالاعتذارِ الواضحِ، فالتَّواضُعُ سِمَةُ الأقوياءِ باللهِ عزَّ وجلَّ.
-
أدبُ الطَّريقِ والجِوارِ: كُفَّ الأذى، وأَلْقِ السلامَ بابتسامةٍ، وصُنْ غَيْبَةَ جَارِكَ تَكُنْ رَاقياً في عينِ الخَلْقِ والخَالِقِ.
-
تَوقيرُ الكَبِيرِ ورَحمةُ الصغيرِ: اجعلْ مِعيارَ تَعامُلِكَ هو المَحبةُ، فَمَنْ لَمْ يَرْحَمْ صَغيرَنا ويُوَقِّرْ كَبِيرَنا فليسَ مِنَّ هَدْيِ سيِّدِنا رسولِ اللهِ ﷺ.
إنَّ الدِّينَ مَعاملةٌ، فَمَنْ زَادَ عليكَ في الخُلُقِ والأدبِ، فقد زَادَ عليكَ في الدِّينِ.
واللهُ أعلمُ، وباللهِ تعالى التوفيقُ والسدادُ.