( خُطْبَةُ عِيدِ الفِطْرِ المُبَارَكِ ) للدكتور : محمد حرز
15 مارس، 2026
خطب منبرية

( خُطْبَةُ عِيدِ الفِطْرِ المُبَارَكِ )
للدكتور : محمد حرز
بِتَارِيخِ: 1 مِنْ شَوَّالٍ ١٤٤٧هـ – 20 مَارِس 2026م
لتحميل الخطبة pdf اضغط أدناه
الحَمْدُ لِلَّهِ الغَفُورِ الشَّكُورِ، يَغْفِرُ الزَّلَّاتِ، وَيُقِيلُ العَثَرَاتِ، وَيَقْبَلُ الطَّيِّبَاتِ، وَيَجْزِي عَلَى القَلِيلِ أَعْظَمَ الثَّوَابِ وَالحَسَنَاتِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، صَاحِبُ الوَجْهِ الأَنْوَرِ، وَالجَبِينِ الأَزْهَرِ، الطَّاهِرُ المُطَهَّر…
مُحَمَّدٌ أَشْرَفُ الأَعْرَابِ وَالعَجَمِ ***** مُحَمَّدٌ خَيْرٌ مَنْ يَمْشِي عَلَى قَدَمِ
مُحَمَّدٌ بَاسِطُ المَعْرُوفِ جَامِعُهُ **** مُحَمَّدٌ صَاحِبُ الإِحْسَانِ وَالكَرَمِ
مُحَمَّدٌ تَاجُ رُسُلِ اللَّهِ قَاطِبَةً **** مُحَمَّدٌ صَادِقُ الأَقْوَالِ وَالكَلِمِ
مُحَمَّدٌ ثَابِتُ المِيثَاقِ حَافِظُهُ **** مُحَمَّدٌ طَيِّبُ الأَخْلَاقِ وَالشِّيَمِ
مُحَمَّدٌ خَيْرُ خَلْقِ اللَّهِ مِنْ مُضَرٍ ***** مُحَمَّدٌ خَيْرُ رُسُلِ اللَّهِ كُلِّهِمِ
اللَّهُ أَكْبَرُ! اللَّهُ أَكْبَرُ! اللَّهُ أَكْبَرُ! لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ! اللَّهُ أَكْبَرُ! اللَّهُ أَكْبَرُ وَلِلَّهِ الحَمْدُ!
اللَّهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا، وَالحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا، وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا.
اللَّهُ أَكْبَرُ عَدَدَ مَا مَشَى فَوْقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرَضِينَ وَدَرَجَ، اللَّهُ أَكْبَرُ الَّذِي بِيَدِهِ مَفَاتِيحُ الفَرَجِ، اللَّهُ أَكْبَرُ ذُو المُلْكِ وَالمَلَكُوتِ، اللَّهُ أَكْبَرُ ذُو العِزَّةِ وَالجَبَرُوتِ. اللَّهُ أَكْبَرُ رَبُّ الأَرْبَابِ، اللَّهُ أَكْبَرُ مُسَبِّبُ الأَسْبَابِ، اللَّهُ أَكْبَرُ خَالِقُ الإِنْسَانِ مِنْ تُرَابٍ. اللَّهُ أَكْبَرُ الَّذِي خَلَقَ الخَلْقَ وَأَحْصَاهُمْ عَدَدًا، اللَّهُ أَكْبَرُ الَّذِي يَأْتِيهِ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ عَبْدًا، اللَّهُ أَكْبَرُ هُوَ رَبُّنَا وَسَيِّدُنَا وَمَوْلَانَا، وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا… اللَّهُ أَكْبَرُ عَدَدَ مَا ذَكَرَ اللَّهَ ذَاكِرٌ وَكَبَّرَ، اللَّهُ أَكْبَرُ عَدَدَ مَا حَمِدَ اللَّهَ تَعَالَى حَامِدٌ وَشَكَرَ، اللَّهُ أَكْبَرُ عَدَدَ مَا تَابَ تَائِبٌ وَاسْتَغْفَرَ. لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ، نَصَرَ عَبْدَهُ، وَأَعَزَّ جُنْدَهُ، وَهَزَمَ الأَحْزَابَ وَحْدَهُ. لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الوَلِيُّ الحَمِيدُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الَّذِي يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ، وَيَحْكُمُ مَا يُرِيدُ.
سُبْحَانَ مَنْ أَنْشَأَ الكَوْنَ وَسَخَّرَهُ، سُبْحَانَ مَنْ نَظَّمَهُ وَدَبَّرَهُ، سُبْحَانَ مَنْ أَدَارَهُ وَسَيَّرَهُ، سُبْحَانَ مَنْ مَلَأَهُ وَعَمَّرَهُ، سُبْحَانَ مَنْ قَضَى عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَقَدَّرَهُ، سُبْحَانَ مَنْ أَسَالَ المَاءَ وَفَجَّرَهُ، سُبْحَانَ مَنْ خَلَقَ الإِنْسَانَ وَصَوَّرَهُ، سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، سُبْحَانَ اللَّهِ العَظِيمِ.
عِبَادَ اللَّهِ: لَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ عِبَادَهُ بِتَكْبِيرِهِ دَوْمًا، فَقَالَ جَلَّ وَعَلَا: ﴿ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ ﴾ (المدثر: ٣) وَأَكَّدَ سُبْحَانَهُ عَلَى وُجُوبِ تَكْبِيرِهِ بَعْدَ ذِكْرِهِ فَرِيضَةَ الصِّيَامِ، فَقَالَ جَلَّ وَعَلَا: ﴿ وَلِتُكْمِلُوا العِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ (البقرة: ١٨٥) أَيْ لِيُعَظَّمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ، لِتَعْرِفْ قُلُوبُكُمْ كِبْرِيَاءَ اللَّهِ، وَلْتُعَظِّمُوهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ، بِأَنْ تُكَبِّرُوهُ يَوْمَ الفِطْرِ وَتَصْدَحُوا بِالتَّكْبِيرِ الَّذِي يَمْلَأُ جَنَبَاتِ الأَرْضِ، إِعْلَانًا أَنَّهُ لَا أَكْبَرَ مِنْهُ سُبْحَانَهُ، وَأَنَّ كُلَّ مَنْ سِوَاهُ دُونَهُ.
نُكَبِّرُهُ وَحْدَهُ، فَهُوَ الَّذِي هَدَانَا لِلإِسْلَامِ، وَهَدَانَا لِشَرِيعَتِهِ الكَامِلَةِ الهَادِيَةِ الغَرَّاءِ. هَدَانَا لِلصِّيَامِ، وَهَدَانَا لِلْقِيَامِ، وَهَدَانَا لِقِرَاءَةِ القُرْآنِ، وَهَدَانَا لِجَمِيعِ الطَّاعَاتِ وَالعِبَادَاتِ.
اللَّهُ أَكْبَرُ هُوَ العَلِيُّ الكَبِيرُ، الَّذِي لَا أَكْبَرَ وَلَا أَعْظَمَ وَلَا أَجَلَّ وَلَا أَعْلَى مِنْهُ، سُبْحَانَهُ لَهُ الجَلَالُ وَالعَظَمَةُ وَالكِبْرِيَاءُ كُلُّهُ. قَالَ جَلَّ وَعَلَا: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ البَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ العَلِيُّ الكَبِيرُ ﴾ [لقمان: ٣٠] هُوَ الكَبِيرُ بِذَاتِهِ، وَالكَبِيرُ فِي صِفَاتِهِ، وَالكَبِيرُ فِي أَفْعَالِهِ. لَا أَكْبَرَ وَلَا أَعْظَمَ مِنْهُ فِي ذَاتِهِ، فَكُلُّ الخَلَائِقِ فِي قَبْضَتِهِ وَيَدِهِ كَحَبَّةِ خَرْدَلٍ فِي يَدِ إِنْسَانٍ. فَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: «جَاءَ حَبْرٌ مِنَ الأَحْبَارِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، إِنَّا نَجِدُ: أَنَّ اللَّهَ يَجْعَلُ السَّمَاوَاتِ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالأَرَضِينَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالشَّجَرَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالمَاءَ وَالثَّرَى عَلَى إِصْبَعٍ، وَسَائِرَ الخَلَائِقِ عَلَى إِصْبَعٍ، فَيَقُولُ: أَنَا المَلِكُ». فَضَحِكَ النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ تَصْدِيقًا لِقَوْلِ الحَبْرِ، ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ﴿ وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾ [الزمر: ٦٧].
فَلَا أَكْبَرَ مِنْهُ فِي مُلْكِهِ وَغِنَاهُ، وَلَا فِي عِلْمِهِ وَإِحَاطَتِهِ، وَلَا فِي قُدْرَتِهِ وَقُوَّتِهِ، وَلَا فِي عَدْلِهِ وَحُكْمِهِ، وَلَا فِي سَمْعِهِ وَبَصَرِهِ، وَلَا فِي كَرَمِهِ وَإِحْسَانِهِ، وَلَا فِي رَحْمَتِهِ وَعَفْوِهِ وَمَغْفِرَتِهِ. لَهُ سُبْحَانَهُ مِنْ كُلِّ كَمَالٍ أَكْبَرُهُ وَأَعْظَمُهُ وَأَوْسَعُهُ. وَهُوَ وَحْدَهُ المُتَفَرِّدُ بِالكِبْرِيَاءِ وَالعَظَمَةِ وَالجَلَالِ الكَامِلِ التَّامِّ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿ وَلَهُ الكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ ﴾ [الجاثية: ٣٧] وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: العِزُّ إِزَارِي وَالكِبْرِيَاءُ رِدَائِي، فَمَنْ نَازَعَنِي بِشَيْءٍ مِنْهُمَا عَذَّبْتُهُ))
تَبَارَكَ رَبُّنَا وَتَعَالَى، أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا، وَوَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَحِلْمًا، وَقَهَرَ كُلَّ مَخْلُوقٍ عِزَّةً وَحُكْمًا. ﴿ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا ﴾ [طه: 110]
سُبْحَانَهُ وَبِحَمْدِهِ: ذَلَّ لِجَبَرُوتِهِ العُظَمَاءُ، وَوَجِلَ مِنْ خَشْيَتِهِ الأَقْوِيَاءُ، وَقَامَتْ بِقُدْرَتِهِ الأَشْيَاءُ. ﴿ وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى المَاءِ ﴾ [هود: 7]
جَلَّ فِي عُلَاهُ: لَا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ، وَلَا تُغَيِّرُهُ الأَعْصَارُ، وَلَا تَتَوَهَّمُهُ الأَفْكَارُ، وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ. سُبْحَانَهُ وَبِحَمْدِهِ: تَوَاضَعَ كُلُّ شَيْءٍ لِعَظَمَتِهِ، وَذَلَّ كُلُّ شَيْءٍ لِعِزَّتِهِ، وَخَضَعَ كُلُّ شَيْءٍ لِهَيْبَتِهِ، وَاسْتَسْلَمَ كُلُّ شَيْءٍ لِمَشِيئَتِهِ. ﴿ وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ ﴾ [الأنبياء: 19] تَبَارَكَ وَتَعَالَى: تَنَزَّهَ عَنِ الشُّرَكَاءِ وَالأَنْدَادِ، وَتَقَدَّسَ عَنِ الأَشْبَاهِ وَالأَضْدَادِ، وَتَعَالَى عَنِ الزَّوْجَةِ وَالأَوْلَادِ، وَجَلَّ عَنِ الشُّرَكَاءِ وَالأَنْدَادِ. ﴿ وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالعِبَادِ ﴾ [آل عمران: 28] جَلَّ جَلَالُهُ: مَنْ تَكَلَّمَ سَمِعَهُ، وَمَنْ سَكَتَ عَلِمَهُ، وَمَنْ تَابَ قَبِلَهُ وَرَحِمَهُ. ﴿ وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ ﴾ [الرعد: 41] عَزَّ وَجَلَّ: خَزَائِنُهُ ملئَا، وَيَمِينُهُ سَحَّاءُ، وَلَا يَتَعَاظَمُهُ عَطَاءٌ، يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ، وَلَا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ. تَبَارَكَ وَتَقَدَّسَ: تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ وَأَمْلَاكُهَا، وَالنُّجُومُ وَأَفْلَاكُهَا، وَالأَرْضُ وَفِجَاجُهَا، وَالبِحَارُ وَأَمْوَاجُهَا، وَالجِبَالُ وَأَحْجَارُهَا، وَالأَشْجَارُ وَثِمَارُهَا. ﴿ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا ﴾ [الإسراء:44]
اللهُ رَبّـي لَا أُرِيْـدُ سِـــوَاهُ ******* هَلْ فِي الوُجُــوْدِ خالقٌ إلَّاهُ !!
الشَّمْسُ وَالْبَدْرُ مِنْ آيـَاتِ قُدْرَتِهِ******وَالْبَرُّ وَالْبَحْرُ فَيْضٌ مِنْ عَطَايَـاهُ
الطَّيْرُ سَبَّـحَهُ ، وَالْوَحْشُ مَجَّدَهُ *******وَالْمَوْجُ كَبَّرَهُ ، وَالْحُوتُ نَاجَاهُ
وَالنَّمْلُ تَحْتَ الصُّخُورِ الصُّمِّ قَدَّسَهُ *******وَالنَّحْلُ يَهْتِفُ حَمْدًا فِي خَلايَاهُ
وَالنَّاسُ يَعْصُونَهُ جَهْرًا ؛ فَيَسْتُرُهُمْ *******وَالْعَبْدُ يَنْسَى وَرَبِّي لَيْسَ يَنْسَاهُ
اللهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا، وَالحَمْدُ للهِ كَثِيرًا، وَسُبْحَانَ اللهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا
أَيُّهَا الصَّائِمُونَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا! بُشْرَاكُمْ بِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: «لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ يَفْرَحُهُمَا: إِذَا أَفْطَرَ فَرِحَ بِفِطْرِهِ، وَإِذَا لَقِيَ رَبَّهُ فَرِحَ بِصَوْمِهِ». يَفْرَحُ الصَّائِمُ عِنْدَ فِطْرِهِ بِأَنْ وَفَّقَهُ اللَّهُ فَأَتَمَّ صَوْمَهُ الَّذِي وَعَدَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَظِيمَ الأَجْرِ، وَيَفْرَحُ عِنْدَ لِقَاءِ رَبِّهِ بِصَوْمِهِ لِمَا يَرَاهُ مِنَ الثَّوَابِ وَحُسْنِ الجَزَاءِ. إِذَا كَانَ فَرَحُ أَهْلِ الدُّنْيَا بِمَتَاعِهَا وَزِينَتِهَا، فَإِنَّ فَرَحَ أَهْلِ الإِيمَانِ بِإِيمَانِهِمْ وَإِسْلَامِهِمْ، وَبِالقُرْآنِ وَبِطَاعَةِ الرَّحْمَنِ. عَمَّا قَرِيبٍ يَفْرَحُ الصَّائِمُونَ عِنْدَ لِقَاءِ اللَّهِ الشَّكُورِ، القَائِلِ: «كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ يُضَاعَفُ، الحَسَنَةُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: إِلَّا الصَّوْمَ، فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، يَدَعُ شَهْوَتَهُ وَطَعَامَهُ مِنْ أَجْلِي». هُنَاكَ يَسْعَدُ الصَّائِمُونَ العَابِدُونَ، يَوْمَ أَنْ يَتَقَدَّمَهُمُ الصَّوْمُ وَتِلَاوَةُ القُرْآنِ، يَشْفَعَانِ عِنْدَ المَلِكِ الدَّيَّانِ. يَقُولُ النَّبِيُّ ﷺ: «الصِّيَامُ وَالقُرْآنُ يَشْفَعَانِ لِلْعَبْدِ يَوْمَ القِيَامَةِ، يَقُولُ الصِّيَامُ: أَيْ رَبِّ، مَنَعْتُهُ الطَّعَامَ وَالشَّهَوَاتِ بِالنَّهَارِ فَشَفِّعْنِي فِيهِ، وَيَقُولُ القُرْآنُ: مَنَعْتُهُ النَّوْمَ بِاللَّيْلِ فَشَفِّعْنِي فِيهِ». قَالَ: «فَيُشَفَّعَانِ ))
فَيَا مَنْ وَفَّقَكُمُ الكَرِيمُ فَأَقْبَلْتُمْ عَلَيْهِ، فَصُمْتُمْ نَهَارَهُ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، وَقُمْتُمْ لَيْلَهُ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا! يَا مَنْ تَلَوْتُمْ كِتَابَ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ! يَا مَنْ وَفَّقَكُمُ اللَّهُ لِطَاعَتِهِ، لِذِكْرِهِ، لِلإِنْفَاقِ فِي سَبِيلِهِ، لِفِعْلِ الخَيْرَاتِ، إِلَيْكُمْ هَذِهِ الرَّسَائِلُ:
الرِّسَالَةُ الأُولَى: لِتَحْمَدُوا اللَّهَ عَلَىٰ تَوْفِيقِهِ، وَلْتَشْكُرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَعُونَتِهِ وَتَيْسِيرِهِ، فَإِنَّ حَالَنَا – وَاللَّهِ – كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ وَهُوَ يَحْفِرُ الخَنْدَقَ: «وَاللَّهِ لَوْلَا اللَّهُ مَا اهْتَدَيْنَا، وَلَا صُمْنَا وَلَا صَلَّيْنَا». مَنْ وَجَدَ خَيْرًا وَتَوْفِيقًا فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ، فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا رَأَى مَا يُحِبُّ قَالَ: «الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي بِنِعْمَتِهِ تَتِمُّ الصَّالِحَاتُ))
الرِّسَالَةُ الثَّانِيَةُ: إِيَّاكُمْ وَالعُجْبَ بِأَعْمَالِكُمْ وَالغُرُورَ بِهَا، فَإِنَّ ذَلِكَ مَطِيَّةُ إِبْلِيسَ وَمَزِلَّةُ الأَقْدَامِ، فَإِنَّ المُعْجَبَ بِنَفْسِهِ وَعَمَلِهِ هَالِكٌ وَلَا بُدَّ. قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «ثَلَاثٌ مُهْلِكَاتٌ: شُحٌّ مُطَاعٌ، وَهَوًى مُتَّبَعٌ، وَإِعْجَابُ المَرْءِ بِنَفْسِهِ». وَكَيْفَ يُعْجَبُ العَبْدُ بِعَمَلٍ لَا يَدْرِي: أَمَقْبُولٌ مِنْهُ هُوَ أَمْ مَرْدُودٌ عَلَيْهِ؟ فَإِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ المُتَّقِينَ. لَقَدْ قَامَ إِبْرَاهِيمُ الخَلِيلُ مَعَ وَلَدِهِ إِسْمَاعِيلَ يَرْفَعَانِ قَوَاعِدَ البَيْتِ الحَرَامِ، وَأَلْسِنَتُهُمَا تَلْهَجُ بِالضَّرَاعَةِ وَالِافْتِقَارِ قَائِلَيْنِ: ﴿ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ العَلِيمُ ﴾ [البقرة: ١٢٧]. لَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ إِذَا صَلَّى الصُّبْحَ حِينَ يُسَلِّمُ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ عِلْمًا نَافِعًا، وَرِزْقًا طَيِّبًا، وَعَمَلًا مُتَقَبَّلًا))
إِنَّ الصَّالِحِينَ لَا يَغْتَرُّونَ بِصَلَاتِهِمْ وَلَا بِصِيَامِهِمْ وَلَا بِجِهَادِهِمْ، بَلْ قُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ، يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ، وَهُمْ مِنْ عَذَابِهِ خَائِفُونَ مُشْفِقُونَ. أَوَلَمْ تَسْمَعْ تِلْكَ الآيَاتِ الَّتِي سَأَلَتْ عَنْهَا أُمُّنَا عَائِشَةُ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا – رَسُولَ اللَّهِ ﷺ؟ قَالَ تَعَالَى: ﴿ وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ ﴾ [المؤمنون: ٦٠-٦١]. قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ: أَهُمُ الَّذِينَ يَشْرَبُونَ الخَمْرَ وَيَسْرِقُونَ؟ قَالَ: «لَا، يَا بِنْتَ الصِّدِّيقِ! وَلَكِنَّهُمُ الَّذِينَ يَصُومُونَ وَيُصَلُّونَ وَيَتَصَدَّقُونَ، وَهُمْ يَخَافُونَ أَنْ لَا تُقْبَلَ مِنْهُمْ». إِيَّاكَ أَنْ تَسْتَكْثِرَ طَاعَاتِكَ فَتَمُنَّ بِهَا عَلَىٰ رَبِّكَ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿ وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ ﴾ [المدثر: ٦]. وَكَيْفَ يَمُنُّ العَبْدُ بِطَاعَتِهِ، وَاللَّهُ هُوَ المَنَّانُ ذُو الفَضْلِ وَالإِحْسَانِ، القَائِلُ: ﴿ يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴾ [الحجرات: ١٧]. إِنَّكَ غَدًا عِنْدَمَا تَرَى القِيَامَةَ رَأْيَ العَيْنِ، عِنْدَمَا تَرَى الجَنَّةَ وَالنَّارَ، سَتَحْتَقِرُ طَاعَاتِكَ حِينَئِذٍ. يَقُولُ النَّبِيُّ ﷺ: «لَوْ أَنَّ رَجُلًا يُجَرُّ عَلَى وَجْهِهِ مِنْ يَوْمِ وُلِدَ إِلَىٰ يَوْمِ يَمُوتُ هَرَمًا فِي مَرْضَاةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ لَحَقَّرَهُ يَوْمَ القِيَامَةِ». ثُمَّ أَيُّ شَيْءٍ يَكُونُ العَمَلُ، إِذَا نَظَرْتَ إِلَيْهِ مَعَ مَا صَدَرَ مِنْكَ مِنَ الذُّنُوبِ أَوِ التَّقْصِيرِ، أَوْ إِذَا نَظَرْتَ إِلَيْهِ فِي جَانِبِ إِنْعَامِ اللَّهِ الوَافِرِ الكَثِيرِ؟
الرِّسَالَةُ الثَّالِثَةُ: اسْتَقِيمُوا عَلَىٰ طَاعَةِ اللَّهِ وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ. إِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ يَقُولُ: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ المَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ ﴾ [فصلت: ٣٠].
إِنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْكَ بِفِعْلِ الطَّاعَاتِ فِي شَهْرِ البَرَكَاتِ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَاسْتَقِمْ عَلَىٰ أَمْرِ اللَّهِ بِفِعْلِ الوَاجِبَاتِ وَتَرْكِ المُحَرَّمَاتِ. وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ عَلَىٰ أَدَاءِ الأَعْمَالِ الصَّالِحَاتِ البَاقِيَاتِ مِنْ قِيَامِ اللَّيْلِ وَتِلَاوَةِ القُرْآنِ وَالذِّكْرِ وَالصَّدَقَةِ. فَإِنَّ اللَّهَ يَقُولُ فِي الحَدِيثِ القُدْسِيِّ: «وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ». وَلَقَدْ وَصَّى النَّبِيُّ ﷺ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ العَاصِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، فَقَالَ لَهُ: «يَا عَبْدَ اللَّهِ، لَا تَكُنْ مِثْلَ فُلَانٍ، كَانَ يَقُومُ اللَّيْلَ، فَتَرَكَ قِيَامَ اللَّيْلِ». إِنَّ مِنَ النِّعَمِ العَظِيمَةِ أَنْ يُوَفِّقَكَ اللَّهُ لِلصَّالِحَاتِ، وَشَهْرُ رَمَضَانَ تُقْبِلُ فِيهِ القُلُوبُ عَلَى اللَّهِ، وَيَجِدُ العَبْدُ فِيهِ عَلَى الخَيْرِ أَعْوَانًا. وَلَا شَكَّ أَنَّ الحَالَ بَعْدَ رَمَضَانَ لَنْ يَكُونَ كَالحَالِ فِيهِ، لَكِنْ لَا تَنْقَطِعْ عَنِ الطَّاعَةِ، وَلَا تَكُنْ كَمِثْلِ قَوْمٍ أَعْطَاهُمُ اللَّهُ النِّعَمَ فَلَمْ يَحْفَظُوهَا. فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَمَا تَحْكِي عَنْهُ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: «كَانَ إِذَا عَمِلَ عَمَلًا أَثْبَتَهُ». وَاعْلَمْ أَنَّ أَحَبَّ العَمَلِ إِلَى اللَّهِ أَدْوَمُهُ وَإِنْ قَلَّ. فَاجْعَلْ لَكَ وِرْدًا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ، وَرَكَعَاتٍ وَلَوْ يَسِيرَةً مِنْ قِيَامِ اللَّيْلِ، دَاوِمْ عَلَىٰ ذَلِكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَلَا تَنْقَطِعْ، وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ المَمَاتُ.
الرِّسَالَةُ الرَّابِعَةُ: قَدْ صِرْتَ سَيِّدًا حُرًّا، فَإِيَّاكَ أَنْ تَقَعَ أَسِيرًا. قَدْ صُمْتَ قَرِيبًا مِنْ ثَلَاثِينَ يَوْمًا، مَلَكْتَ نَفْسَكَ عَنْ شَهَوَاتِهَا، وَدَخَلْتَ – إِنْ شَاءَ اللَّهُ – فِي زُمْرَةِ مَنْ قَالَ اللَّهُ فِيهِ: «يَدَعُ شَهْوَتَهُ وَطَعَامَهُ مِنْ أَجْلِي». فَصِرْتَ بِذَلِكَ سَيِّدًا حُرًّا، فَلَا تَرْجِعْ إِلَيْهَا أَسِيرًا بَعْدَ الحُرِّيَّةِ وَالسِّيَادَةِ. قَدْ تَرَكْتَ الحَلَالَ لِلَّهِ الَّذِي أَمَرَكَ، أَيَلِيقُ بِكَ أَنْ تَعُودَ لِلْحَرَامِ بَعْدَ رَمَضَانَ؟
الرِّسَالَةُ الأَخِيرَةُ: لِمَنْ فَرَّطَ وَقَصَّرَ، لِمَنْ نَأَى وَأَعْرَضَ، قِفْ مَعَ نَفْسِكَ فَحَاسِبْهَا، وَانْظُرْ كَيْفَ فَرَّطْتَ فِي زَمَانِ النَّفَحَاتِ وَالخَيْرَاتِ؟ أَلَمْ يَقُلِ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ ﴾ [الحشر: ١٨]. وَرَغْمَ كُلِّ تَقْصِيرٍ لَا يَزَالُ أَمَامَكَ فُرْصَةٌ مَا دَامَ قَدْ أَبْقَى اللَّهُ لَكَ الأَنْفَاسَ، عُدْ إِلَيْهِ تَائِبًا رَاجِيًا نَادِمًا، عَازِمًا عَلَى الصَّلَاحِ وَالإِصْلَاحِ، فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ الوَاسِعُ الغَفُورُ التَّوَّابُ. يَقُولُ النَّبِيُّ ﷺ: «وَلَا يَهْلِكُ عَلَى اللَّهِ إِلَّا هَالِكٌ». إِنَّهُ ذَلِكَ الشَّارِدُ المُعْرِضُ الَّذِي لَا يُرِيدُ اللَّهَ. قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «أَلَا كُلُّكُمْ يَدْخُلُ الجَنَّةَ إِلَّا مَنْ شَرَدَ عَلَى اللَّهِ شِرَادَ البَعِيرِ عَلَى أَهْلِهِ». إِنَّ أَبْوَابَ رَحَمَاتِ اللَّهِ لَا تُغْلَقُ بَعْدَ رَمَضَانَ، فَإِنْ فَاتَكَ رَمَضَانُ وَانْتَهَى، فَإِنَّ اللَّهَ بَاقٍ لَا يَفْنَى. أَخْبَرَنَا نَبِيُّنَا ﷺ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ يُنَادِي كُلَّ لَيْلَةٍ عَلَى خَلْقِهِ: «أَنَا المَلِكُ، أَنَا المَلِكُ، مَنْ ذَا الَّذِي يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ؟ مَنْ ذَا الَّذِي يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ؟ مَنْ ذَا الَّذِي يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ؟» فَلَا يَزَالُ كَذَلِكَ حَتَّى يُضِيءَ الفَجْرُ.
اللهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا، وَالحَمْدُ للهِ كَثِيرًا، وَسُبْحَانَ اللهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا
انْتَهَى رَمَضَانُ، وَوَاللَّهِ ثُمَّ وَاللَّهِ إِنَّ قُلُوبَ الصَّالِحِينَ إِلَى هَذَا الشَّهْرِ تَحِنُّ، وَمِنْ أَلَمِ فِرَاقِهِ تَئِنُّ. انْتَهَى رَمَضَانُ، وَفِي قُلُوبِ الصَّالِحِينَ لَوْعَةٌ، وَفِي نُفُوسِ الْأَبْرَارِ حُرْقَةٌ، وَكَيْفَ لَا يَكُونُ ذَلِكَ؟ وَأَبْوَابُ الْجِنَانِ سَتُغْلَقُ، وَأَبْوَابُ النِّيرَانِ سَتُفْتَحُ، وَمَرَدَةُ الْجِنِّ سَتُطْلَقُ. وَدَاعًا يَا شَهْرَ رَمَضَانَ… وَدَاعًا يَا شَهْرَ الْقُرْآنِ… وَدَاعًا يَا شَهْرَ الْقِيَامِ… وَدَاعًا يَا شَهْرَ الْإِحْسَانِ… وَدَاعًا يَا شَهْرَ الْجُودِ وَالْإِكْرَامِ… وَدَاعًا يَا شَهْرَ الْعِتْقِ مِنَ النِّيرَانِ… انْتَهَى شَهْرُ رَمَضَانَ، فَكَمْ مِنْ صَحَائِفَ بُيِّضَتْ، وَكَمْ مِنْ رِقَابٍ عُتِقَتْ، وَكَمْ حَسَنَاتٍ كُتِبَتْ! أَيَا عَبْدَ اللَّهِ، يَا مَنْ عُدْتَ إِلَى ذُنُوبِكَ وَمَعَاصِيكَ وَغَفْلَتِكَ: تَمَهَّلْ قَلِيلًا، تَفَكَّرْ قَلِيلًا: كَيْفَ تَعُودُ إِلَى السَّيِّئَاتِ، وَرُبَّمَا قَدْ طَهَّرَكَ اللَّهُ مِنْهَا؟ كَيْفَ تَعُودُ إِلَى الْمَعَاصِي، وَرُبَّمَا مَحَاهَا اللَّهُ مِنْ صَحِيفَتِكَ؟ يَا عَبْدَ اللَّهِ، أَيُعْتِقُكَ اللَّهُ مِنَ النَّارِ فَتَعُودَ إِلَيْهَا؟ أَيُبَيِّضُ اللَّهُ صَحِيفَتَكَ مِنَ الْأَوْزَارِ وَأَنْتَ تُسَوِّدُهَا مَرَّةً أُخْرَى؟ يَا عَبْدَ اللَّهِ: آهٍ لَوْ تَدْرِي أَيَّ مُصِيبَةٍ وَقَعْتَ فِيهَا، آهٍ لَوْ تَدْرِي أَيَّ بَلَاءٍ نَزَلَ بِكَ، لَقَدِ اسْتَبْدَلْتَ بِالْقُرْبِ بُعْدًا، وَبِالْحُبِّ بُغْضًا. أَيَا رَمَضَانُ: إِنَّ الْعَيْنَ لَتَدْمَعُ، وَإِنَّ الْقَلْبَ لَيَحْزَنُ، وَإِنَّا عَلَى فِرَاقِكَ يَا رَمَضَانُ لَمَحْزُونُونَ، وَلَا نَقُولُ إِلَّا مَا يُرْضِي رَبَّنَا. فَاللَّهَ اللَّهَ فِي رَمَضَانَ وَنَفَحَاتِهِ، اللَّهَ اللَّهَ فِي رَمَضَانَ وَرَحَمَاتِهِ، اللَّهَ اللَّهَ فِي رَمَضَانَ وَمَغْفِرَةِ الذُّنُوبِ، اللَّهَ اللَّهَ فِي الْعِتْقِ مِنَ النِّيرَانِ
فَيَا عَيْنِي جُودِي بِالدَّمْعِ مِنْ أَسَفٍ ****** عَلَى فِرَاقِ لَيَالٍ ذَاتِ أَنْوَارِ
عَلَى لَيَالٍ لِشَهْرِ الصَّوْمِ مَا جُعِلَتْ ****** إِلَّا لِتَمْحِيصِ آثَامٍ وَأَوْزَارِ
مَا كَانَ أَحْسَنَنَا وَالشَّمْلُ مُجْتَمِعٌ ***** مِنَّا الْمُصَلِّي وَمِنَّا الْقَانِتُ الْقَارِئُ
اللَّهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا، وَسُبْحَانَ اللَّهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا.
مَعَاشِرَ النِّسَاءِ، أَجِبْنَ نِدَاءَ اللَّه(وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى، وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) [الأحزاب: 33
مَعَاشِرَ النِّسَاءِ، عَلَيْكُنَّ بِطَاعَةِ الْأَزْوَاجِ، وَرِعَايَةِ الْأَوْلَادِ، وَحِفْظِ الْأَمْوَالِ وَالْمَتَاعِ. فَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَيُّمَا امْرَأَةٍ مَاتَتْ وَزَوْجُهَا عَنْهَا رَاضٍ دَخَلَتِ الْجَنَّةَ». وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِذَا صَلَّتِ الْمَرْأَةُ خَمْسَهَا، وَصَامَتْ شَهْرَهَا، وَحَفِظَتْ فَرْجَهَا، وَأَطَاعَتْ زَوْجَهَا، قِيلَ لَهَا: ادْخُلِي الْجَنَّةَ مِنْ أَيِّ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ شِئْتِ)
حَافِظِي عَلَى عِفَّتِكِ وَحِجَابِكِ وَحَيَائِكِ: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ، ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ، وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا)الأحزاب: 59 وَعَلَيْكَ أَيُّهَا الزَّوْجُ أَنْ تَتَّقِيَ اللَّهَ فِي زَوْجَتِكَ، فَلَا تَظْلِمْهَا وَلَا تَضْرِبْهَا، وَاعْلَمْ أَنَّ رِبَاطَ الزَّوْجِيَّةِ رِبَاطٌ وَثِيقٌ، فَهُوَ رِبَاطُ مُصَاحَبَةٍ لَا يَنْقَطِعُ بِالْمَوْتِ. قَالَ تَعَالَى: (وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ) [عبس: 36]. وَ(صَاحِبَتِهِ) يَعْنِي: زَوْجَتَهُ الَّتِي كَانَتْ زَوْجَتَهُ فِي الدُّنْيَا، وَ(بَنِيهِ).
وَاحْذَرْ أَيُّهَا الْمُسْلِمُ مِنْ أَنْ تُفْسِدَ أَحَدَ الزَّوْجَيْنِ عَلَى الْآخَرِ، أَوْ أَنْ تَمْشِيَ بَيْنَهُمَا بِالنَّمِيمَةِ، فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ كَيْدِ الشَّيْطَانِ. فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ خَبَّبَ امْرَأَةً عَلَى زَوْجِهَا، أَوْ عَبْدًا عَلَى سَيِّدِهِ))
اللَّهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا، وَسُبْحَانَ اللَّهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا
أَيُّهَا السَّادَةُ: الْعِيدُ فُرْصَةٌ لِلطَّاعَاتِ لَيْسَ فُرْصَةً لِلْمُنْكَرَاتِ، الْعِيدُ فُرْصَةٌ لِتَحْسِينِ الْعَلَاقَاتِ، وَتَسْوِيَةِ النِّزَاعَاتِ، وَجَمْعِ الشَّمْلِ، وَقَطْعِ الْعَدَاوَاتِ بَيْنَ النَّاسِ. قَالَ رَبُّنَا: (وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ). وَصَدَقَ النَّبِيُّ ﷺ إِذْ يَقُولُ كَمَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ـ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ، إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى». فَلْيَكُنْ لِسَانُ حَالِنَا مَعَ مَنْ ظَلَمَنَا وَأَسَاءَ إِلَيْنَا: (لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) [يُوسُف: 92]. نَقُولُهَا لِلْأَصْحَابِ… نَقُولُهَا لِلْجِيرَانِ… نَقُولُهَا لِلْأَرْحَامِ… نَقُولُهَا لِلْأَقَارِبِ… نَقُولُهَا لِلْأَحْبَابِ فِي كُلِّ مَكَانٍ: (لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) [سُورَةُ يُوسُفَ: 92]. فَلَيْسَ الْعِيدُ لِمَنْ لَبِسَ الْجَدِيدَ، وَإِنَّمَا الْعِيدُ لِمَنْ طَاعَتُهُ تَزِيدُ. لَيْسَ الْعِيدُ لِمَنْ لَبِسَ الْجَدِيدَ، إِنَّمَا الْعِيدُ لِمَنْ خَافَ يَوْمَ الْوَعِيدِ. لَيْسَ الْعِيدُ لِمَنْ تَجَمَّلَ بِاللِّبَاسِ وَالرُّكُوبِ، إِنَّمَا الْعِيدُ لِمَنْ غُفِرَتْ لَهُ الذُّنُوبُ. رَأَى عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ابْنَهُ فِي يَوْمِ عِيدٍ، وَعَلَيْهِ ثَوْبٌ خَلِقٌ ـ أَيْ قَدِيمٌ بَالٍ ـ مُرَقَّعٌ، فَدَمَعَتْ عَيْنَاهُ، فَرَآهُ وَلَدُهُ فَقَالَ لَهُ: مَا يُبْكِيكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ قَالَ: يَا بُنَيَّ، أَخْشَى أَنْ يَنْكَسِرَ قَلْبُكَ إِذَا رَآكَ الصِّبْيَانُ بِهَذَا الثَّوْبِ الْمُرَقَّعِ. فَقَالَ لَهُ ابْنُهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّمَا يَنْكَسِرُ قَلْبُ مَنْ أَعْدَمَهُ اللَّهُ رِضَاهُ، أَوْ عَقَّ أُمَّهُ وَأَبَاهُ، وَإِنِّي لَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ اللَّهُ تَعَالَى رَاضِيًا عَنِّي بِرِضَاكَ.
اللهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا، وَالحَمْدُ للهِ كَثِيرًا، وَسُبْحَانَ اللهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا
فَالْعِيدُ أَيُّهَا السَّادَةُ: أَنْ تَعُودَ إِلَى أَهْلِكَ بِالْبَسْمَةِ وَالصَّفَاءِ، الْعِيدُ أَنْ تَعْفُوَ عَمَّنْ ظَلَمَكَ، وَتُعْطِيَ مَنْ حَرَمَكَ، وَتَصِلَ مَنْ قَطَعَكَ، الْعِيدُ لِمَنْ وَصَلَ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ، الْعِيدُ لِمَنْ وَصَلَ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاسِ، الْعِيدُ لِمَنْ اسْتَعَدَّ لِيَوْمِ الرَّحِيلِ، فَكُلُّنَا مُسَافِرُونَ، كَمَا قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ: فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَحُطُّ رَحْلَهُ فِي الْجَنَّةِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَحُطُّ رَحْلَهُ فِي النَّارِ، فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ…العِيدُ الحَقِيقِيُّ عِنْدَمَا نَقُومُ بِصُنْعِ المَعْرُوفِ مَعَ أَهْلِهِ وَمَعَ غَيْرِ أَهْلِهِ.
العِيدُ الحَقِيقِيُّ عِنْدَمَا نَصِلُ أَرْحَامَنَا بِغَيْرِ مَعْصِيَةٍ، وَعِنْدَمَا نَبَرُّ آبَاءَنَا وَأُمَّهَاتِنَا، وَعِنْدَمَا نُحْسِنُ لِنِسَائِنَا وَأَبْنَائِنَا، وَنُعْطِي لِكُلِّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ.
العِيدُ الحَقِيقِيُّ عِنْدَمَا نَسْعَى لِحَقْنِ دِمَائِنَا، وَلِجَمْعِ شَمْلِنَا، وَتَوْحِيدِ صَفِّنَا، وَالتَّحَقُّقِ بِالعُبُودِيَّةِ للهِ تعالى.
العِيدُ الحَقِيقِيُّ عِنْدَمَا نُحَافِظُ عَلَى بِلَادِنَا، وَأَوْطَانِنَا، وَمُمْتَلَكَاتِنَا، العِيدُ الحَقِيقِيُّ عِنْدَمَا نُوَثِّقُ رَوَابِطَ الأُلْفَةِ وَالمَحَبَّةِ وَالتَّعَاوُنِ عَلَى البِرِّ وَالتَّقْوَى في ظِلِّ قَوْلِهِ تعالى: ﴿إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾. وَفي ظِلِّ قَوْلِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ: «مَثَلُ المُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ، وَتَرَاحُمِهِمْ، وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى» رواه الإمام مسلم عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا.
العِيدُ الحَقِيقِيُّ عِنْدَمَا تَكُونُ قُلُوبُنَا قُلُوبَ الأَتْقِيَاءِ الأَنْقِيَاءِ، لَا تَعْرِفُ حِقْدَاً، وَلَا غِلَّاً، وَلَا بُغْضَاً، وَلَا اسْتِعْلَاءً، وَلَا اسْتِكْبَارَاً، عِنْدَمَا نَبِيتُ كُلَّ لَيْلَةٍ وَلَيْسَ في قُلُوبِنَا غِشٌّ لِأَحَدٍ.
العِيدُ الحَقِيقِيُّ عِنْدَمَا نَتَحَلَّى وَنَتَحَقَّقُ بِقَوْلِهِ تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾.
العِيدُ الحَقِيقِيُّ عِنْدَمَا نَتَحَلَّى وَنَتَخَلقُ بِقَوْلِهِ تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنَاً﴾.
العِيدُ الحَقِيقِيُّ عِنْدَمَا نَتَحَلَّى وَنَتَخَلقُ بِقَوْلِهِ تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالحِكْمَةِ وَالمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾.
العِيدُ الحَقِيقِيُّ عِنْدَمَا نَتَحَابَبُ في اللهِ، وَنَنْطَلِقُ مِنْ قَوْلِ سَيِّدِنَا رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ: «لَا تَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا، وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا، أَوَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى شَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ؟ أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ» رواه الإمام مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ.
العِيدُ الحَقِيقِيُّ عِنْدَمَا نَكُفُّ أَلْسِنَتَنَا عَنِ الفِتَنِ، وَنَتَخَلقُ بِقَوْلِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ كانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرَاً أَوْ لِيصْمُتْ» رواه الشيخان عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ.
العِيدُ الحَقِيقِيُّ عِنْدَمَا نَكُفُّ أَلْسِنَتَنَا عَنِ الشَّائِعَاتِ المُغْرِضَةِ، التي تَفُتُّ في عَضُدِ المُسْلِمِينَ، وَنَسْمَعُ قَوْلَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ: «كَفَى بِالمَرْءِ كَذِبَاً ـ وفي رِوَايَةٍ لأبي داود: إِثْمَاً ـ أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ» رواه الإمام مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ.
الْعِيدُ الْحَقِيقِيُّ أَنْ نُحَافِظَ عَلَى دَوْلَتِنَا، وَعَلَى أَمْنِهَا وَاسْتِقْرَارِهَا، وَعَدَمِ السَّمَاعِ لِلدَّعَوَاتِ الْمُغْرِضَةِ الَّتِي أَخَّرَتْنَا، وَالَّتِي تُرِيدُ النَّيْلَ مِنْ أَمْنِهَا وَاسْتِقْرَارِهَا. فَمِصْرُ أَمَانَةٌ فِي أَعْنَاقِ الْجَمِيعِ، فَمِصْرُ هِيَ أُمُّ الْبِلَادِ، وَهِيَ مَوْطِنُ الْمُجَاهِدِينَ وَالْعُبَّادِ، قَهَرَتْ قَاهِرَتُهَا الْأُمَمَ، وَوَصَلَتْ بَرَكَاتُهَا إِلَى الْعَرَبِ وَالْعَجَمِ، سَكَنَهَا الْأَنْبِيَاءُ وَالصَّحَابَةُ وَالْعُلَمَاءُ.
مِصْرُ الْكِنَانَةُ مَا هَانَتْ عَلَى أَحَدٍ ******اللَّهُ يَحْرُسُهَا عَطْفًا وَيَرْعَاهَا
نَدْعُوكَ يَا رَبِّ أَنْ تَحْمِيَ مَرَابِعَهَا *******فَالشَّمْسُ عَيْنٌ لَهَا وَاللَّيْلُ نَجْوَاهَا
ومَنْ شَاهَدَ الْأَرْضَ وَأَقْطَارَهَا *****وَالنَّاسَ أَنْوَاعًا وَأَجْنَاسًا
وَلَمْ يَرَ مِصْرَ وَلَا أَهْلَهَا ******فَمَا رَأَى الدُّنْيَا وَلَا النَّاسَ
إخْوَةَ الْإِسْلَامِ، وَمَعَاشِرَ مَنْ صَامَ وَقَامَ: هَنِيئًا لَكُمْ عِيدُكُمْ، وَتَقَبَّلَ اللَّهُ طَاعَاتِكُمْ،عِيشُوا فَرَحَكُمْ بِنِعْمَةِ اللَّهِ الْكَبِيرِ، وَلَا تَنْسَوْا فِي فَرَحِكُمُ الْمِسْكِينَ وَالْفَقِيرَ. أَسْعِدُوا أَهْلِيكُمْ، وَبَرُّوا وَالِدَيْكُمْ، وَصِلُوا أَرْحَامَكُمْ وَذَوِيكُمْ، وَلَا تَغْفُلُوا فِي كُلِّ ذَلِكَ عَنْ رَبِّكُمُ الَّذِي أَتَمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ. لَا تَقْتَرِفُوا مِنَ الْآثَامِ مَا يَمْحُو أُجُورَكُمْ، وَلَا تُصِيبُوا مِنَ الذُّنُوبِ مَا يُفْسِدُ قُلُوبَكُمْ، وَلَا تَنْسَوْا دَائِمًا أَنَّ اللَّهَ أَكْبَرُ. لَا تَنْسَوْا إِخْوَانًا لَكُمْ يُعَانُونَ الشِّدَّةَ وَاللَّأْوَاءَ، فَادْعُوا لَهُمْ، وَارْجُوا النَّصْرَ وَالْفَرَجَ الْقَرِيبَ لَهُمْ. اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مِنَّا قَلِيلَ طَاعَاتِنَا، وَاغْفِرْ لَنَا عَظِيمَ تَقْصِيرِنَا، وَاخْتِمْ بِالْبَاقِيَاتِ الصَّالِحَاتِ أَعْمَالَنَا ، حَفِظَ اللَّهُ مِصْرَ قِيَادَةً وَشَعْبًا مِنْ كَيْدِ الْكَائِدِينَ، وَشَرِّ الْفَاسِدِينَ، وَحِقْدِ الْحَاقِدِينَ، وَمَكْرِ الْمَاكِرِينَ، وَاعْتِدَاءِ الْمُعْتَدِينَ، وَإِرْجَافِ الْمُرْجِفِينَ، وَخِيَانَةِ الْخَائِنِينَ. وَكُلُّ عَامٍ وَأَنْتُمْ بِخَيْرٍ، بَلْ أَنْتُمُ الْخَيْرُ لِكُلِّ عَامٍ، وَتَقَبَّلَ اللَّهُ مِنَّا وَمِنْكُمْ صَالِحَ الْأَعْمَالِ.
كَتَبَهُ العَبْدُ الفَقِيرُ إِلَى عَفْوِ رَبِّهِ
د/ مُحَمَّدٌ حِرْزٌ إِمَامٌ بِوِزَارَةِ الأَوْقَافِ