العشر الأواخر وليلة القدر

بقلم الأستاذ : حامد عمر 

 جبلت النفس البشرية على أن تفتر عزيمتها وتخور قواها نهاية كل عمل ، من أجل ذلك خص الشارع الحنيف العشر الأواخر بمزيد من الفضل والعناية والاهتمام ومضاعفة الأجر؛ ليكون ذلك دافعا وحافزًا للنفس حتى تستعيد نشاطها وقوتها في العبادة .

تحدثنا أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها عن عبادة رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه العشر فتقول : كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل العشر شدَّ مئزره، وأحيا ليله، وأيقظ أهله  .

وتقول أيضًا : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهد في غيره 

يقول ابن الجوزي – في كتابه التبصرة – :وينبغي أن يكون الاجتهاد في أواخر الشهر أكثر من أوله لشيئين: 

أحدهما لشرف هذا العشر وطلب ليلة القدر…

والثاني: لوداع شهر لا يدري هل يلقى مثله أم لا .

كما خص الحق سبحانه وتعالى أمة رسو الله صلى الله عليه وسلم – في هذه العشر – بليلة القدر ، والتي قال في شأنها المولى عزو وجل : (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ)

    وقال أيضًا : (حم وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ )

والليلة المبارك هي ليلة القدر على أرجح الأقوال ، تلك الليلة التي شرفها الحق سبحانه وتعالى بإنزال القرآن، فلقد جاء في تفسير القرطبي ما روي عن عبد الله بن عباس وقتادة وابن زيد رضي الله عنهم أن الله أنزل القرآن كله في ليلة القدر من أم الكتاب إلى بيت العزة في سماء الدنيا، ثم كان جبريل صلى الله عليه وسلم ينزل به نجمًا نجمًا في الأوامر والنواهي والأسباب، في الليالي والأيام في ثلاث وعشرين سنة.

تلك الليلة المباركة التي اكتسبت شرفها وفضلها من اسمها، فقد ذكر الزهري وغيره أنها سميت بذلك لعظمها وقدرها وشرفها، من قولهم: لفلان قدر، أي شرف ومنزلة. 

وقيل: سميت بذلك؛ لأن للطاعات فيها قدرا عظيما، وثوابا جزيلا، وقال أبو بكر الوراق: إنما سميت بذلك لعظمها وقدرها وشرفها، من قولهم: لفلان قدر، أي شرف ومنزلة. وقيل: سميت بذلك لأن للطاعات فيها قدرا عظيما، وثوابا جزيلا.

ويقول سيدنا عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: (يكتب في أم الكتاب في ليلة القدر ما هو كائن في السنة من الخير والشر والأرزاق والآجال، حتى الحُجّاج. يقال: يحج فلان، ويحج فلان) .

وقال الحسن ومجاهد وقتادة:( يبرم في ليلة القدر في شهر رمضان كل أجل وعمل وخلق ورزق، وما يكون في تلك السنة) .

وقد جعل الحق سبحانه وتعالى عبادتها خير من عبادة ألف شهر أي عبادتها خير من عبادة ثلاثة وثمانين عاما وأربعة أشهر، وهذا عُمرٌ قل من الناس من يبلغه ، حتى إن بعض العلماء ذكر أن ليلة القدر كانت منة ومنحة ربانية من الحق سبحانه وتعالى لأمة رسول الله صلى الله عليه وسلم تعويضًا لها عن قصر أعمارها، فقد النبي صلى الله عليه وسلم : (أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين وأقلهم من يجوز ذلك)   

يحدثنا رسول صلى الله عليه وسلم عن فضل هذه الليلة فيقول : ( من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه) .