خُطْبَةُ الْجُمُعَةِ الْقَادِمَةِ (الْعُرُوجُ الرُّوحِيُّ فِي شَهْرِ الْفُتُوحَاتِ: مَنْزِلَةُ الشَّهِيدِ فِي دِيوَانِ الْمَجْد ) للشَّيْخِ : أَحْمَدَ إِسْمَاعِيلَ الْفَشَنِيِّ

خُطْبَةُ الْجُمُعَةِ الْقَادِمَةِ بِعُنْوَانُ : الْعُرُوجُ الرُّوحِيُّ فِي شَهْرِ الْفُتُوحَاتِ: مَنْزِلَةُ الشَّهِيدِ فِي دِيوَانِ الْمَجْد

لِفَضِيلَةِ الشَّيْخِ / أَحْمَدَ إِسْمَاعِيلَ الْفَشَنِيِّ

٢٣ رَمَضَان ١٤٤٧ هـ – ١٣ مَارِس ٢٠٢٦ م

لتحميل الخطبة pdf اضغط أدناه
alerog alrohe

​عَنَاصِرُ الْخُطْبَةِ :

​١. رَمَضَانُ شَهْرُ الْجِهَادِ وَالْبَذْلِ (الرَّابِطُ بَيْنَ الصِّيَامِ وَالشَّهَادَةِ).

٢. يَقِينُ الشَّهِيدِ وَشَوْقُهُ إِلَى الْجَنَّةِ (قِصَّةُ سَيِّدِنَا عُمَيْرِ بْنِ الْحُمَامِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ).

٣. التَّضْحِيَةُ بِالْجَوَارِحِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ (قِصَّةُ سَيِّدِنَا جَعْفَرٍ الطَّيَّارِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ).

٤. عَظَمَةُ الصَّبْرِ عِنْدَ أَهْلِ الشَّهِيدِ (قِصَّةُ سَيِّدَتِنَا الْخَنْسَاءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا).

٥. الْوَفَاءُ لِأَرْوَاحِ شُهَدَاءِ مِصْرَ الْأَبْرَارِ فِي ظِلَالِ رَمَضَانَ.

٦. الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ: (سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ) – لَيْلَةُ الْقَدْرِ وَالِاعْتِكَافُ الرُّوحِيُّ.ِ

الْخُطْبَةُ الْأُولَى : الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، الَّذِي كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ، وَجَعَلَ لِأَوْلِيَائِهِ فِي الدَّارَيْنِ أَعْظَمَ نِعْمَةٍ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، إِلَهُ الْخَلْقِ (عَزَّ وَجَلَّ)، الْقَائِلُ فِي مُحْكَمِ التَّنْزِيلِ: {وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ} [البقرة: ١٥٤]. وَأَشْهَدُ أَنْ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، رَحْمَةُ اللَّهِ لِلْأَنَامِ، وَإِمَامُ كُلِّ شَهِيدٍ وَهُمَامٍ، الَّذِي كَانَ يَتَمَنَّى أَنْ يُقْتَلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ (عَزَّ وَجَلَّ) ثُمَّ يُحْيَا ثُمَّ يُقْتَلَ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ الطَّاهِرِينَ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.

أَمَّا بَعْدُ: فَيَا أَيُّهَا السَّادَةُ الْكِرَامُ،

إِنَّنَا نَعِيشُ فِي رِحَابِ خِتَامِ رَمَضَانَ، شَهْرِ الْجِهَادِ وَالْبَذْلِ، الشَّهْرِ الَّذِي تَآخَتْ فِيهِ الرُّوحُ مَعَ السَّمَاءِ، وَعَلَتْ فِيهِ رَايَةُ الْحَقِّ بِدِمَاءِ الصَّائِمِينَ. إِنَّ مَنْزِلَةَ الشَّهَادَةِ فِي دِينِنَا لَيْسَتْ مُجَرَّدَ مَوْتٍ، بَلْ هِيَ وِلَادَةٌ جَدِيدَةٌ فِي عَالَمِ الْبَقَاءِ، وَاصْطِفَاءٌ رَبَّانِيٌّ لَا يَنَالُهُ إِلَّا صَفْوَةُ الْخَلْقِ.

الْعُنْصُرُ الْأوَّلُ: رَمَضَانُ مَدْرَسَةُ الشَّهَادَةِ وَرَابِطُ الْإِخْلَاصِ

أَيُّهَا السَّادَةُ الْكِرَامُ، لَيْسَ مِنَ الْمُصَادَفَةِ أَنْ يَرْتَبِطَ ذِكْرُ الشَّهَادَةِ بِرَمَضَانَ؛ فَالصَّائِمُ يَجُوعُ لِيَقْوَى إِيمَانُهُ، وَالشَّهِيدُ يَبْذُلُ رُوحَهُ لِيَحْيَا دِينُهُ. كِلَاهُمَا مَدْرَسَةٌ لِلصَّبْرِ وَالِاحْتِسَابِ. الصَّوْمُ “شَهَادَةٌ” صُغْرَى حَيْثُ تَمُوتُ شَهَوَاتُ النَّفْسِ لِيَحْيَا الْقَلْبُ بِنُورِ اللَّهِ (عَزَّ وَجَلَّ)، وَالشَّهَادَةُ “صَوْمٌ” عَنِ الدُّنْيَا بِأَسْرِهَا لِلْإِفْطَارِ عَلَى مَائِدَةِ الْجَنَّةِ.

تَأَمَّلُوا مَشْهَدَ الصَّحَابَةِ الْكِرَامِ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ) يَوْمَ بَدْرٍ، الَّذِي نَحْتَفِي بِذِكْرَاهُ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ، حِينَمَا خَرَجُوا صَائِمِينَ يُوَاجِهُونَ جُيُوشَ الْكُفْرِ. كَانَ الْجُوعُ يَنْهَشُ أَجْسَادَهُمْ، وَالشَّمْسُ تَحْرِقُ جِبَاهَهُمْ، وَلَكِنَّ بَرْدَ الْيَقِينِ فِي قُلُوبِهِمْ كَانَ أَقْوَى. لَقَدْ فَهِمُوا أَنَّ رَمَضَانَ لَيْسَ لِلنَّوْمِ وَلَا لِلْخُمُولِ، بَلْ هُوَ شَهْرُ الْفُتُوحَاتِ. هَذَا الرَّبْطُ الرُّوحِيُّ بَيْنَ “جُوعِ الْبَطْنِ” وَ”بَذْلِ الرُّوحِ” هُوَ مَا صَنَعَ أُمَّةً لَا تَقْهَرُ. إِنَّ الشَّهِيدَ الَّذِي يَرْتَقِي وَهُوَ صَائِمٌ يَجْمَعُ بَيْنَ شَرَفَيْنِ: شَرَفِ الطَّاعَةِ وَشَرَفِ التَّضْحِيَةِ، فَكَيْفَ بِمَنْ كَانَ فِي رَمَضَانَ وَفِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ؟

الْعُنْصُرُ الثَّانِي: اصْطِفَاءُ الشَّهَادَةِ.. قَصَصٌ تَنْحَنِي لَهَا الْجِبَاهُ

أَيُّهَا السَّادَةُ الْكِرَامُ، الشَّهَادَةُ اخْتِيَارٌ مِنَ اللَّهِ (عَزَّ وَجَلَّ)، قَالَ تَعَالَى: {وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ} [آل عمران: ١٤٠]. فَاللَّهُ هُوَ الَّذِي يَخْتَارُ مَنْ يَسْتَحِقُّ هَذَا الْعُرُوجَ.

وَلَنَا فِي سِيَرِ الصَّحَابَةِ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ) عِبْرَةٌ، فَانْظُرُوا إِلَى سَيِّدِنَا عُمَيْرِ بْنِ الْحُمَامِ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ)، حِينَمَا سَمِعَ سَيِّدَنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: “قُومُوا إِلَى جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ”. كَانَ يُمْسِكُ بِيَدِهِ تَمَرَاتٍ يَأْكُلُهَا لِيَتَقَوَّى بِهَا، فَقَالَ: “بَخٍ بَخٍ، مَا بَيْنِي وَبَيْنَ أَنْ أَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا أَنْ يَقْتُلَنِي هَؤُلَاءِ؟” ثُمَّ رَمَى بِالتَّمَرَاتِ قَائِلًا: “لَئِنْ أَنَا حَيِيتُ حَتَّى آكُلَ تَمَرَاتِي هَذِهِ إِنَّهَا لَحَيَاةٌ طَوِيلَةٌ”. فَانْدَفَعَ كَالْأَسَدِ حَتَّى نَالَ الشَّهَادَةَ. هَلْ رَأَيْتُمْ زُهْدًا فِي الدُّنْيَا أَعْظَمَ مِنْ هَذَا؟

وَانْظُرُوا إِلَى سَيِّدِنَا أَنَسِ بْنِ النَّضْرِ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ)، الَّذِي غَابَ عَنْ بَدْرٍ فَآلَى عَلَى نَفْسِهِ أَنْ يَرَى اللَّهُ (عَزَّ وَجَلَّ) مَا يَصْنَعُ فِي مَشْهَدٍ آخَرَ. فِي أُحُدٍ، حِينَمَا انْكَسَرَ الْمُسْلِمُونَ، مَرَّ بِقَوْمٍ قَدْ أَلْقَوْا بِسِلَاحِهِمْ فَقَالَ: “مَا تَجْلِسُونَ؟” قَالُوا: قُتِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ. قَالَ: “فَمَا تَصْنَعُونَ بِالْحَيَاةِ بَعْدَهُ؟ قُومُوا فَمُوتُوا عَلَى مَا مَاتَ عَلَيْهِ”. ثُمَّ قَالَ: “إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ الْجَنَّةِ دُونَ أُحُدٍ”. فَوُجِدَ فِيهِ بَعْدَ الْمَعْرَكَةِ بِضْعٌ وَثَمَانُونَ طَعْنَةً وَضَرْبَةً، مَا عَرَفَتْهُ إِلَّا أُخْتُهُ بِبَنَانِهِ. هَذِهِ هِيَ مَنْزِلَةُ الشَّهِيدِ؛ شَوْقٌ لَا تَرُدُّهُ السُّيُوفُ، وَيَقِينٌ يَرَى الْجَنَّةَ عَيَانًا قَبْلَ رَحِيلِ الرُّوحِ.

الْعُنْصُرُ الثَّالِثُ: جَعْفَرُ الطَّيَّارُ وَجَمَالُ التَّضْحِيَةِ

أَيُّهَا السَّادَةُ الْكِرَامُ، إِنَّ الشَّهِيدَ لَا يَبْذُلُ مَالَهُ فَقَطْ، بَلْ يُبْرِقُ بِجَوَارِحِهِ لِلَّهِ (عَزَّ وَجَلَّ). اِسْمَعُوا إِلَى مَلْحَمَةِ سَيِّدِنَا جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) يَوْمَ مُؤْتَةَ. حَمَلَ الرَّايَةَ بِيَمِينِهِ فَقُطِعَتْ، فَحَمَلَهَا بِشِمَالِهِ فَقُطِعَتْ، فَاحْتَضَنَهَا بِعَضُدَيْهِ حَتَّى لَا تَسْقُطَ، لِأَنَّ سُقُوطَ الرَّايَةِ انْكِسَارٌ لِلْأُمَّةِ.

لَقَدْ كَانَ سَيِّدُنَا جَعْفَرٌ رَجُلًا وَسِيمًا، شَبِيهًا بِسَيِّدِنَا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي خَلْقِهِ وَخُلُقِهِ، وَلَكِنَّهُ جَعَلَ هَذَا الْجَسَدَ قُرْبَانًا لِلَّهِ. فَلَمَّا أُخْبِرَ النَّبِيُّ ﷺ بِاسْتِشْهَادِهِ، قَالَ: “أَبْدَلَهُ اللَّهُ بِيَدَيْهِ جَنَاحَيْنِ يَطِيرُ بِهِمَا فِي الْجَنَّةِ حَيْثُ شَاءَ”. فَلُقِّبَ بِـ “جَعْفَرٍ الطَّيَّارِ”. أَيُّ كَرَامَةٍ هَذِهِ؟ أَنْ تَتَحَوَّلَ الْأَطْرَافُ الْمَقْطُوعَةُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ إِلَى أَجْنِحَةٍ مِنْ نُورٍ تَجُوبُ رِيَاضَ الْجَنَّةِ! إِنَّ الشَّهِيدَ يَا سَادَةُ يُعَلِّمُنَا أَنَّ الْبَقَاءَ لَيْسَ لِلْمَادَّةِ، بَلْ لِلْمَعْنَى وَلِلْمَبْدَأِ الَّذِي مَاتَ مِنْ أَجْلِهِ.

الْعُنْصُرُ الرَّابِعُ: شُهَدَاءُ مِصْرَ.. حُرَّاسُ الْأَرْضِ وَالْعِرْضِ

أَيُّهَا السَّادَةُ الْكِرَامُ، إِذَا كَانَ الصَّحَابَةُ هُمْ قُدْوَتُنَا، فَإِنَّ شُهَدَاءَ مِصْرَ الْأَبْرَارَ هُمْ تِيجَانُ رُؤُوسِنَا فِي هَذَا الزَّمَانِ. إِنَّ الْجُنْدِيَّ الَّذِي يَقِفُ عَلَى الْحُدُودِ فِي صَحْرَاءِ سِينَاءَ، أَوْ يَحْمِي مُؤَسَّسَاتِ الدَّوْلَةِ، وَهُوَ صَائِمٌ صَابِرٌ مُحْتَسِبٌ، فَيَسْقُطُ شَهِيدًا بِرَصَاصِ الْغَدْرِ وَالْإِرْهَابِ، هُوَ شَهِيدٌ بِنَصِّ الشَّرْعِ وَبِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ.

مِصْرُ الَّتِي قَالَ عَنْهَا سَيِّدُنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِنَّ جُنْدَهَا فِي رِبَاطٍ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، لَا تَبْخَلُ بِأَبْنَائِهَا. كَمْ مِنْ أُمٍّ مِصْرِيَّةٍ صَابِرَةٍ، تَلَقَّتْ نَبَأَ اسْتِشْهَادِ ابْنِهَا فِي رَمَضَانَ، فَقَالَتْ: “فِدَاءً لِمِصْرَ”؟ هَذِهِ الرُّوحُ هِيَ امْتِدَادٌ لِرُوحِ سَيِّدَتِنَا الْخَنْسَاءِ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا) الَّتِي قَدَّمَتْ أَرْبَعَةً مِنْ بَنِيهَا يَوْمَ الْقَادِسِيَّةِ وَقَالَتْ: “الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي شَرَّفَنِي بِقَتْلِهِمْ”. إِنَّ دِمَاءَ الشُّهَدَاءِ هِيَ الَّتِي تَحْفَظُ لَنَا هَذِهِ الْمَسَاجِدَ لِنُصَلِّيَ فِيهَا، وَتَحْفَظُ أَعْرَاضَنَا، فَالْوَفَاءُ لَهُمْ يَكُونُ بِتَرْبِيَةِ الْأَجْيَالِ عَلَى حُبِّ الْوَطَنِ وَبُغْضِ التَّطَرُّفِ، وَالْتِفَافِ الصَّفِّ خَلْفَ قِيَادَتِنَا وَجَيْشِنَا.

الْعُنْصُرُ الْخَامِسُ: جَبْرُ الْخَوَاطِرِ وَكَرَامَةُ السَّائِلِ (صَحِّحْ مَفَاهِيمَكَ)

أَيُّهَا السَّادَةُ الْكِرَامُ، فِي ظِلَالِ مَنْزِلَةِ الشَّهِيدِ الَّذِي جَادَ بِكُلِّ شَيْءٍ، نَقِفُ عِنْدَ مَبَادِرَةِ (صَحِّحْ مَفَاهِيمَكَ) لِنُصَحِّحَ سُلُوكًا قَدْ يَغِيبُ عَنْ الْبَعْضِ. الشَّهِيدُ بَذَلَ دَمَهُ لِيَحْفَظَ كَرَامَتَكَ، فَكَيْفَ تَهْدِمُ أَنْتَ كَرَامَةَ الْفَقِيرِ حِينَمَا تُعْطِيهِ؟

إِنَّ بَعْضَ النَّاسِ فِي رَمَضَانَ يَجْعَلُونَ مِنَ الصَّدَقَةِ “مَهْرَجَانًا” لِلتَّصْوِيرِ وَالتَّشْهِيرِ، وَهَذَا لَيْسَ مِنْ دِينِ اللَّهِ (عَزَّ وَجَلَّ) فِي شَيْءٍ. لَقَدْ كَانَ سَيِّدُنَا زَيْنُ الْعَابِدِينَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا) يَحْمِلُ جِرَابَ الْخُبْزِ عَلَى ظَهْرِهِ بِاللَّيْلِ فَيَتَصَدَّقُ بِهَا، وَلَا يَعْلَمُ أَحَدٌ مَنْ أَعْطَاهُ حَتَّى مَاتَ، فَوَجَدُوا عَلَى ظَهْرِهِ أَمَاكِنَ سَوْدَاءَ مِنْ حَمْلِ الْأَكْيَاسِ لِلْفُقَرَاءِ. الشَّهَادَةُ بَذْلٌ صَامِتٌ، وَالصَّدَقَةُ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ بَذْلًا صَامِتًا. صَحِّحُوا مَفَاهِيمَكُمْ؛ فَإِنَّ جَبْرَ خَاطِرِ الْمُحْتَاجِ وَسَتْرَهُ أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ مَالٍ يَتْبَعُهُ أَذًى.

أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ.

الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ: نَفَحَاتُ الْعُرُوجِ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ

الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرْضَى، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، إِلَهُ الْخَلْقِ (عَزَّ وَجَلَّ)، وَأَشْهَدُ أَنْ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، رَحْمَةُ اللَّهِ الْمُهْدَاةُ وَنِعْمَتُهُ الْمُسْدَاةُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا.

الْعُنْصُرُ السَّادِسُ: (سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ) – أَمَانُ السَّمَاءِ

أَيُّهَا السَّادَةُ الْكِرَامُ، إِنَّنَا نَقِفُ عَلَى أَعْتَابِ جَائِزَةٍ كُبْرَى، وَمِنْحَةٍ رَبَّانِيَّةٍ لَمْ تُعْطَ لِأُمَّةٍ قَبْلَنَا. إِنَّهَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ، اللَّيْلَةُ الَّتِي اخْتَصَّهَا اللَّهُ (عَزَّ وَجَلَّ) بِسُورَةٍ كَامِلَةٍ تُتْلَى إِلَى يَوْمِ الدِّينِ. وَإِذَا كَانَتِ الْخُطْبَةُ الْأُولَى عَنْ “مَنْزِلَةِ الشَّهِيدِ” الَّذِي جَادَ بِنَفْسِهِ لِيَحْيَا دِينُهُ، فَإِنَّ لَيْلَةَ الْقَدْرِ هِيَ مِيعَادُ “الْحَيَاةِ الرُّوحِيَّةِ” الَّتِي نُجَدِّدُ فِيهَا الْعَهْدَ مَعَ اللَّهِ (عَزَّ وَجَلَّ).

١. سِرُّ التَّسْمِيَةِ وَقِصَّةُ التَّعْوِيضِ الرَّبَّانِيِّ

أَيُّهَا السَّادَةُ الْكِرَامُ، لِمَاذَا جَعَلَ اللَّهُ (عَزَّ وَجَلَّ) هَذِهِ اللَّيْلَةَ خَيْرًا مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ؟

يُرْوَى أَنَّ سَيِّدَنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ذَكَرَ يَوْمًا لِأَصْحَابِهِ رَجُلًا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَبِسَ السِّلَاحَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَلْفَ شَهْرٍ (أَيْ نَحْوَ ثَلَاثٍ وَثَمَانِينَ سَنَةً مِنَ الْجِهَادِ الْمُتَوَاصِلِ)، فَعَجِبَ الصَّحَابَةُ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ) مِنْ ذَلِكَ وَتَقَالُّوا أَعْمَارَهُمْ، فَقَالُوا: “يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَعْمَارُ أُمَّتِكَ قَصِيرَةٌ، فَكَيْفَ نُدْرِكُ سَبْقَ مَنْ قَبْلَنَا؟”

فَأَنْزَلَ اللَّهُ (عَزَّ وَجَلَّ) جَبْرًا لِخَوَاطِرِهِمْ: {لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ}. أَيْ أَنَّ عَمَلَكَ فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ يَا مُحَمَّدِيُّ، يَفُوقُ عَمَلَ ذَلِكَ الْعَابِدِ الَّذِي جَاهَدَ أَلْفَ شَهْرٍ! هَذَا هُوَ الْكَرَمُ الْإِلَهِيُّ؛ أَنْ يُعْطِيَكَ بِالْقَلِيلِ كَثِيرًا، وَبِاللَّحَظَاتِ دُهُورًا. فَالشَّهِيدُ يَخْتَصِرُ الطَّرِيقَ إِلَى الْجَنَّةِ بِلَحْظَةِ صِدْقٍ، وَالْعَابِدُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ يَخْتَصِرُ طَرِيقَ الْوُصُولِ بِلَيْلَةِ إِخْلَاصٍ.

٢. مَشْهَدُ التَّنَزُّلِ الْمَلَائِكِيِّ وَسَلَامُ الرُّوحِ

أَيُّهَا السَّادَةُ الْكِرَامُ، تَدَبَّرُوا قَوْلَهُ تَعَالَى: {تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ}.

يَقُولُ الْعُلَمَاءُ: إِنَّ الْمَلَائِكَةَ فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ تَكُونُ فِي الْأَرْضِ أَكْثَرَ مِنْ عَدَدِ الْحَصَى، وَعَلَى رَأْسِهِمْ سَيِّدُنَا جِبْرِيلُ (عَلَيْهِ السَّلَامُ). وَمَا تَنَزُّلُهُمْ إِلَّا لِيَحُفُّوا الذَّاكِرِينَ، وَيُؤَمِّنُوا عَلَى دُعَاءِ الْمُتَضَرِّعِينَ.

وَمِنْ لَطَائِفِ الْقَصَصِ: أَنَّ سَيِّدَنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ لِيُخْبِرَ النَّاسَ بِمَوْعِدِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ، فَتَلَاحَى (أَيْ تَخَاصَمَ) رَجُلَانِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَرُفِعَ عِلْمُهَا عَنِ الْأُمَّةِ. وَفِي هَذَا دَرْسٌ بَلِيغٌ يَا سَادَةُ؛ أَنَّ الْخُصُومَاتِ وَالْمُشَاحَنَاتِ تَمْحَقُ الْبَرَكَةَ. فَمَنْ أَرَادَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ فَلْيُطَهِّرْ قَلْبَهُ مِنَ الْغِلِّ وَالْحَسَدِ. كَيْفَ نَطْلُبُ سَلَامَ السَّمَاءِ وَنَحْنُ نَحْمِلُ حَرْبًا فِي صُدُورِنَا عَلَى إِخْوَانِنَا؟ الشَّهِيدُ بَذَلَ دَمَهُ لِيُوحِّدَ الصَّفَّ، فَلَا تُمَزِّقُوا الصَّفَّ بِسُوءِ الْخُلُقِ.

٣. فِقْهُ الدُّعَاءِ وَرِسَالَةُ “الْعَفْوِ” النَّبَوِيَّةِ

أَيُّهَا السَّادَةُ الْكِرَامُ، لَقَدْ سَأَلَتْ سَيِّدَتُنَا عَائِشَةُ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا) سَيِّدَنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: “أَرَأَيْتَ إِنْ وَافَقْتُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ مَا أَقُولُ فِيهَا؟” فَلَمْ يُعَلِّمْهَا ﷺ طَلَبَ الرِّزْقِ الْوَاسِعِ وَلَا طُولَ الْعُمُرِ، بَلْ عَلَّمَهَا: “اللَّهُمَّ إِنَّكَ عَفُوٌّ تُحِبُّ الْعَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي”.

لِمَاذَا الْعَفْوُ بِالذَّاتِ؟ لِأَنَّ الْعَفْوَ هُوَ مَحْوُ الذَّنْبِ حَتَّى لَا يَبْقَى لَهُ أَثَرٌ فِي كِتَابِكَ وَلَا فِي ذَاكِرَةِ الْمَلَائِكَةِ. إِذَا عَفَا اللَّهُ عَنْكَ، جَبَرَ كَسْرَكَ، وَطَيَّبَ خَاطِرَكَ، وَفَتَحَ لَكَ أَبْوَابَ السَّمَاءِ. اِجْعَلُوا هَذَا الدُّعَاءَ هِجِّيرَاكُمْ (أَيْ دَيْدَنَكُمْ) فِي هَذِهِ اللَّيَالِي.

٤. صَحِّحْ مَفَاهِيمَكَ: لَيْلَةُ الْقَدْرِ لَيْسَتْ لِلسَّهَرِ الْفَارِغِ

أَيُّهَا السَّادَةُ الْكِرَامُ، فِي مَبَادِرَةِ (صَحِّحْ مَفَاهِيمَكَ)، نُؤَكِّدُ أَنَّ إِحْيَاءَ لَيْلَةِ الْقَدْرِ لَيْسَ بِالِاجْتِمَاعِ عَلَى مَوَائِدِ الطَّعَامِ بَعْدَ التَّرَاوِيحِ وَكَثْرَةِ اللَّغْوِ، بَلْ هِيَ خَلْوَةٌ مَعَ اللَّهِ (عَزَّ وَجَلَّ). كَانَ سَيِّدُنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَعْتَكِفُ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ، لِيَنْقَطِعَ عَنِ الشَّوَاغِلِ. فَاجْعَلُوا لَكُمْ نَصِيبًا مِنَ الْخَلْوَةِ، وَلَوْ سَاعَةً قَبْلَ الْفَجْرِ، تَبْكُونَ فِيهَا عَلَى خَطَايَاكُمْ، وَتَسْأَلُونَ اللَّهَ (عَزَّ وَجَلَّ) فِيهَا أَنْ يَحْفَظَ مِصْرَنَا وَجَيْشَنَا وَشُهَدَاءَنَا.

يَا رَبَّ لَيْلَةِ الْقَدْرِ، هَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً، وَاجْعَلْنَا مِمَّنْ صَامَ رَمَضَانَ وَقَامَهُ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا. اللَّهُمَّ اجْعَلْ هَذِهِ اللَّيْلَةَ بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى قُلُوبِ الْمَحْزُونِينَ، وَنَصْرًا وَمَدَدًا لِلْمُرَابِطِينَ.

الدُّعَاءُ:

اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، الْأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالْأَمْوَاتِ. اللَّهُمَّ بَلِّغْنَا لَيْلَةَ الْقَدْرِ، وَاجْعَلْ حَظَّنَا مِنْهَا الْقَبُولَ وَالرِّضْوَانَ. اللَّهُمَّ يَا عَفُوُّ اعْفُ عَنَّا، اللَّهُمَّ يَا كَرِيمُ أَكْرِمْنَا، اللَّهُمَّ يَا رَحِيمُ ارْحَمْنَا. اللَّهُمَّ احْفَظْ مِصْرَ كِنَانَتَكَ فِي أَرْضِكَ، وَوَفِّقْ رَئِيسَهَا وَقَائِدَهَا لِمَا تُحِبُّ وَتَرْضَى، وَاجْعَلْ جَيْشَنَا دِرْعًا لِلْحَقِّ، وَشُرْطَتَنَا أَمَانًا لِلْخَلْقِ. اللَّهُمَّ ارْحَمْ شُهَدَاءَنَا، وَدَاوِ جَرْحَانَا، وَفُكَّ كَرْبَ الْمَكْرُوبِينَ. اللَّهُمَّ اخْتِمْ لَنَا شَهْرَ رَمَضَانَ بِرِضْوَانِكَ، وَالْعِتْقِ مِنْ نِيرَانِكَ.

عِبَادَ اللَّهِ، اذْكُرُوا اللَّهَ الْعَظِيمَ يَذْكُرْكُمْ، وَاشْكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدْكُمْ، وَأَقِمِ الصَّلَاةَ.

واللهُ تَعَالَى أَعْلَمُ، وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ وَالسَّدَادُ – كَتَبَهُ فَضِيلَةُ الشَّيْخِ أَحْمَد إِسْمَاعِيل الْفَشَنِيّ. القاهره في ٩ مارس ٢٠٢٦ م