المخطط الماسوني الخفي، كيف استُهدِفَ علماء الأمة لتفكيك حصن الإسلام من الداخل؟
11 نوفمبر، 2025
الماسونية والجمعيات الصهيونية

بقلم الكاتب / محمد نجيب نبهان
كاتب وباحث وناقد فني وتاريخي
في عالمٍ تموج فيه الصراعات الفكرية وتتنازع فيه القوى على توجيه الوعي الجمعي، لا يخفى أن الحرب على الإسلام لم تكن يومًا حربَ سلاحٍ فقط، بل كانت – وما تزال – حربًا على العقول والمفاهيم، تستهدف رموز الدين ومصادر الإلهام فيه قبل أن تستهدف مؤمنيه.
فمنذ قرون، أدركت القوى الماسونية والصهيونية أن تحطيم الإسلام لا يتم إلا بتحطيم رموزه، وأن أول خطوة في طريق إضعاف الأمة هي النيل من مكانة علمائها وإسقاط هيبتهم في نفوس العامة.
وقد عبّر البروتوكول السابع عشر من بروتوكولات حكماء صهيون بوضوحٍ مذهل عن هذه السياسة الماكرة، إذ جاء فيه:
“وقد عنينا عنايةً عظيمة بالحطّ من كرامة رجال الدين في أعين الأميين من الناس، وبذلك نجحنا في الإضرار برسالتهم التي كان يمكن أن تكون عقبة كؤودًا في طريقنا.”
هذه العبارة ليست مجرد كلماتٍ عابرة، بل هي خطةٌ عملية استُخدمت عبر أدواتٍ فكرية ومذاهب منحرفة لتقويض ثقة الأمة بعلمائها، حتى يُصبح الدين بلا حارسٍ، والناس بلا مرجعيةٍ، والهوية الإسلامية بلا روحٍ.
ولعل أخطر ما أنتجته تلك المخططات هو ظهور الحركة الوهابية في جزيرة العرب بدعمٍ وتمويلٍ من القوى الأجنبية ذات المصلحة في تمزيق وحدة المسلمين. كانت الفكرة في ظاهرها دعوة إلى “التوحيد الخالص” و”العودة إلى الكتاب والسنة”، لكنها في حقيقتها كانت أداة لاختراق الصف الإسلامي من الداخل، تُفرّغ الدين من عمقه الروحي والعلمي وتزرع بذور الفتنة بين العلماء والعامة.
بدأت هذه الحرب الفكرية بإنكار تراث الأمة، فشُطِبَت قرونٌ من الاجتهاد العلمي والتجربة الحضارية بحجة أن “القرآن والسنة يغنيان عن كل ما قاله العلماء”. لم يكن المقصود تقديس النصّ، بل قطع الصلة بين المسلم وبين تراثه الأصيل، حتى يُصبح فريسةً سهلة لكل تفسيرٍ سطحيٍّ متعجلٍ يُقدّمه أدعياء الفهم الصحيح.
ثم تتابعت الخطوات؛ فغُرس في نفوس الناس أن أئمة المذاهب، كالإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان، والشافعي، ومالك، وأحمد، قد خالفوا النبي ﷺ في مسائل كثيرة. وهكذا تجرّأ الجاهل على الفقيه، وتقدّم المتعالم على الإمام، وصار من السهل على من لم يقرأ صفحةً في الفقه أن يقول: “أخطأ الشافعي وأبو الشافعي”.
لم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل توسعت الحملة لتشمل أعظم المؤسسات العلمية في العالم الإسلامي – الأزهر الشريف، الذي ظلّ على مدى أكثر من ألف عام منارةً للعلم والعقيدة الأشعرية الوسطية، فاتهموه بالابتداع والانحراف، وأطلقوا على مناهجه وصف “منهج الخرافة”، حتى فقد كثير من عوامّ المسلمين ثقتهم في الأزهر وعلمائه، وارتفع صوت الدعاة الجدد الذين لا علم لهم إلا بما حفظوه من كتبٍ متشددةٍ أو مقاطع مجتزأةٍ من التراث.
أما علماء الأمة الكبار، كالنووي وابن حجر العسقلاني والسيوطي والغزالي، فقد لم يسلموا من التكفير والتبديع، رغم أن مؤلفاتهم هي التي حفظت علوم الحديث والفقه والتفسير عبر القرون. وبهذا الشكل، أُقصي التراث الأشعري الصوفي الأزهري الذي شكّل عمق الإسلام الحضاري والروحي، ليُستبدل به فكرٌ جامدٌ يختزل الدين في الظواهر، ويُشيطن كل مخالفةٍ له باعتبارها “شركًا وبدعة”.
بهذه الطريقة، نُزِعت القداسة عن العلماء، وضاعت المرجعية، وأصبح كل فردٍ مفتيًا، وكل متحمسٍ شيخًا، وكل جاهلٍ ناقدًا للنووي والغزالي وابن عربي. لقد نجح المخطط الماسوني في تفريغ الأمة من علمائها الحقيقيين، وفي جعل الفوضى الفكرية عنوانًا للمرحلة، حتى كأن الإسلام أصبح بلا عقلٍ ولا روح.
إن أخطر ما في هذه المؤامرة ليس ما حدث في الماضي فحسب، بل ما يستمر في الحاضر:
جيلٌ جديدٌ من الشباب لا يقرأ إلا في ما يُرضي حماسته، وينفر من العلماء الحقيقيين لأنهم “لا يقولون بما يحب سماعه”، ويثق بفتاوى تُبثّ عبر الشاشات أو مقاطع قصيرة، لا تعي مقاصد الشرع ولا تراعي اختلاف الأزمنة والأمكنة.
لقد خاض الأزهر الشريف، ومعه العلماء الأشاعرة والماتريدية والصوفية الحقّة، معركة الدفاع عن الإسلام الوسطي ضد هذا الفكر المتشدد الذي جاء ليحطم المعاني الرحبة للإيمان، وليزرع مكانها فقهًا ضيقًا يرفض التعددية ويُقصي العقل ويُكفّر المخالف. وما كانت هذه الحرب الفكرية لتنجح لولا الدعم المالي والإعلامي والسياسي الذي تلقّته من القوى التي وجدت في الفكر الوهابي حليفًا غير معلنٍ في تفتيت الأمة.
إن من يدرك هذا المخطط يدرك أن المعركة الحقيقية اليوم ليست بين مذهبٍ وآخر، بل بين الإسلام الأصيل المعتدل الذي مثّله الأزهر وعلماء الأمة، وبين فكرٍ غريبٍ نبت في صحراء الجهل ثم انتشر بفضل المال والسلاح. وهي معركة على هوية الأمة، وعلى عقل المسلم وقلبه، وعلى تلك الثقة المقدسة التي كانت تربط الناس بعلمائهم.
إن إعادة الهيبة لعلماء الأمة ليست واجبًا أخلاقيًا فحسب، بل ضرورة وجودية لحفظ الإسلام من التمييع أو التشويه. فالعالم هو الحارس الأمين للعقيدة، وإذا سقطت هيبته سقطت الأمة كلها.
لقد قال أحد الحكماء قديمًا: “إذا أردت أن تهدم أمة، فابدأ بعلمائها، فإنهم إذا ضلّوا ضلّت الرعية.”
وهذا بالضبط ما أراده الماسون منذ قرونٍ، وما ما زالوا يسعون إليه بأساليبٍ جديدةٍ كل يوم.
فهل آن للأمة أن تعي أن الهجوم على علمائها هو هجومٌ على ذاتها؟
وهل ندرك أن إنقاذ الأزهر وإحياء فكر العلماء الكبار هو في الحقيقة إنقاذٌ لجوهر الإسلام ذاته؟
سؤالٌ مفتوحٌ أمام كل من لا يزال في قلبه نورٌ من بصيرة، وإيمانٌ بأن الدين لا يُحفظ إلا برجاله الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه.