جيوش الإعلام والتزييف

المقال الحادى عشر من سلسلة ( ماسونيات ـ جيوش الظل )

للكاتب / محمد نجيب نبهان

كاتب وباحث وناقد فني وتاريخي

ولادة الصحافة المستعمرة:

حين دخل الاستعمار الغربي بلادنا في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، لم يأتِ بالدبابات والبوارج وحدها، بل جاء ومعه جيش جديد لم يكن معروفًا من قبل: جيش الكلمة المطبوعة. لقد اكتشف المستعمر مبكرًا أن البندقية قد تفرض الصمت يومًا أو عامًا، لكن الكلمة قادرة على إعادة تشكيل الوعي لقرون. ومن هنا وُلدت الصحافة المستعمرة، لتكون أداةً من أدوات جيوش الظل، تمهد الأرض للاحتلال، وتُبرر وجوده، وتُهاجم كل محاولة للمقاومة.

في البداية، ظهرت الصحف التي أسسها الأوروبيون أنفسهم في مدننا الكبرى: بيروت، القاهرة، تونس، الجزائر، بغداد. حملت أسماء أنيقة، وادعت أنها تنقل “أخبار العالم”، لكنها في الحقيقة كانت تنقل صورة مشوهة للشرق وصورة مثالية للغرب. كانت صفحاتها مليئة بمقالات تمجّد “التمدن الأوروبي”، وتقارن بين “العقل الغربي” و”الجمود الشرقي”، لتغرس في العقول أن الخلاص لن يكون إلا عبر التبعية للمستعمر. وهكذا لم تكن الصحف مجرد أوراق، بل مدافع ورقية تمهد للاحتلال العسكري.

ومع الوقت، لم يكتفِ المستعمر بصحفه الخاصة، بل بدأ يرعى صحفًا محلية بأقلام عربية، تتحدث بلسان أبناء البلد، لكنها تحمل رسالته نفسها. صار هناك صحفيون “محليون” يكتبون مقالات ضد ثورات شعوبهم، أو يسخرون من المقاومين، أو يطالبون “بالتعاون” مع الاحتلال. هؤلاء كانوا الطابور الخامس الإعلامي، جيوش ظل تكتب لا لتُخبر الناس بالحقيقة، بل لتخدرهم وتعيد توجيه وعيهم. ولأن الصحافة الجديدة كانت تبدو حديثة ومتطورة مقارنة بالمنابر التقليدية، فإن تأثيرها كان أعمق، إذ بدا للناس أن ما يُكتب في الجريدة حقيقة لا تقبل الجدل.

الكلمة حين تصبح جنديًا :

لقد فهم الاستعمار أن السيطرة على العقول لا تقل أهمية عن السيطرة على الأرض. لذلك كانت الصحافة بالنسبة له وزارات إعلام متقدمة تابعة للسفارات والقنصليات. ومن خلالها، رُسمت صورة المستعمر على أنه “المعلم” و”المصلح”، وصورة المقاوم على أنه “متمرد” أو “خارج عن القانون”. وبذلك لم يعد الاحتلال بحاجة إلى القمع وحده، لأن الصحافة المستعمرة كانت تقوم بالقمع المعنوي، فتُسكت الأصوات الحرة بالتشويه، وتُعطي الشرعية للعميل، وتُحاصر أي فكر مستقل.

إن ولادة الصحافة المستعمرة كانت أخطر تحول في معركة الوعي. فللمرة الأولى في تاريخنا، صارت الكلمة المكتوبة – التي كان الناس ينظرون إليها بعين التقديس – أداة تضليل، وسلاحًا في يد الغريب. ولم يكن غريبًا أن يقترن توسع الصحافة بتوسع المدارس التبشيرية والبعثات التعليمية، فالجميع كانوا يعملون في جبهة واحدة: إعادة صياغة عقل الأمة. وهكذا صارت الصحيفة أخطر من المدفع، لأنها لا تقتل الجسد، بل تُخدر الروح وتُعيد تشكيل الوعي.

الصحافة الوطنية بين المقاومة والاحتواء

حين بدأت الصحافة العربية الوطنية بالظهور في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، بدت وكأنها الرد الطبيعي على الصحافة المستعمرة. فقد حملت هذه الصحف أسماء عربية خالصة، وكتب فيها مثقفون ومصلحون يرفعون صوت الأمة في مواجهة الغزو، ويدعون إلى الاستقلال والنهضة، ويكشفون أكاذيب المحتل. كانت في بدايتها منابر مقاومة حقيقية، تحمل هموم الناس وتنطق بلسانهم، وتربط بين الكلمة والحرية. فالجريدة لم تكن مجرد أوراق، بل كانت سلاحًا يوازي البندقية، تُخاطب الجماهير، وتُثير الوعي، وتفضح سياسات المستعمر.

لكن سرعان ما أدركت القوى الاستعمارية أن هذه الصحافة الوطنية خطر لا يقل عن الثورات الشعبية. فالكلمة التي توقظ العقول أخطر من الرصاصة التي تقتل الجسد. ومن هنا بدأت معركة طويلة بين الصحافة الوطنية وبين محاولات الاحتواء. فقد لجأ المستعمر إلى أسلوبين متوازيين: القمع المباشر عبر إغلاق الصحف وسجن أصحابها، والاحتواء غير المباشر عبر شراء ذمم بعض الصحفيين، أو إغراق الصحف بالإعلانات الممولة التي تجعلها تعتمد على مال المستعمر فتفقد استقلالها.

لقد كانت الصحافة الوطنية في حقيقتها ساحة صراع مفتوحة. ففي مصر مثلًا، ظهرت صحف مثل “اللواء” لمصطفى كامل، التي جعلت من القلم سلاحًا لتحريك الجماهير ضد الاحتلال البريطاني. وفي الشام، كتب عبد الرحمن الكواكبي في “المؤيد” وغيرها نصوصًا فضحت الاستبداد والاستعمار معًا. وفي العراق والمغرب، نشأت صحف مشابهة حملت خطابًا وطنيًا قويًا. لكن مع مرور الوقت، كان كثير من هذه الصحف إما يُقمع، أو يُحتوى تدريجيًا، حتى تتحول من منبر مقاومة إلى منبر مهادنة.

إن أخطر ما واجه الصحافة الوطنية لم يكن فقط قمع المستعمر، بل خيانة بعض من حملوا لواءها. فبعض الصحفيين الذين بدأوا حياتهم مناضلين انتهوا عملاء، إما خوفًا من البطش أو طمعًا في المال. وهكذا تحولت بعض الصحف من صوت للشعب إلى أبواق تُلمع صورة الاستعمار أو الحكام الوظيفيين الذين نصّبهم. ولم يكن الناس يدركون دائمًا هذا التحول، لأن الصحيفة كانت تظل تحمل اسمها الوطني، بينما محتواها صار مشبعًا برسائل العدو.

لكن رغم كل ذلك، لم تختفِ الصحافة المقاومة أبدًا. فقد ظلت هناك أقلام صادقة، تدفع الثمن غاليًا من حياتها وحريتها، لتبقي شعلة الوعي متقدة. غير أن المعضلة الكبرى أن هذه الأصوات كانت دائمًا محاصرة، محدودة التأثير مقارنة بالآلة الإعلامية الضخمة التي يملكها المستعمر وحلفاؤه. لقد كان التحدي دائمًا أن تحافظ الصحافة الوطنية على استقلالها وسط بحر من الضغوط والإغراءات.

إن تجربة الصحافة الوطنية تكشف بوضوح كيف تتحرك جيوش الظل في ميدان الكلمة: فهي تبدأ بإنشاء صحافة مستعمرة مباشرة، ثم إذا نشأت صحافة وطنية معارضة، تعمل على احتوائها أو خنقها، بحيث لا يبقى في الساحة إلا أصوات مدجنة. وهكذا صار المشهد الإعلامي في معظم بلادنا خليطًا من صحف ترفع شعار الوطنية لكنها عمليًا أُفرغت من مضمونها، وصحف قليلة حرة تدفع ثمن حريتها بالعزلة أو الإغلاق.

والنتيجة أن الصحافة الوطنية عاشت دائمًا بين سندان المقاومة ومطرقة الاحتواء. كانت قادرة على أن توقظ الشعوب، لكنها كانت مهددة باستمرار بالقمع والاختراق. وهذه المفارقة جعلت الصحافة ساحة مثالية لجيوش الظل: فهي إما وسيلة لتحرير الوعي، أو وسيلة لتضليله. وكلما ضعفت الأمة، كان المحتل أقدر على تحويل الصحافة من منبر مقاومة إلى سلاح بيده، يوجهه متى شاء.