بقلم /الشيخ : يوسف محمد السعداوى
من علماء الازهر والاوقاف
ربما يكون الانسان مدقق النظر الى غيره ،ولكنه لا يراه بأم عينه ، إنما يراه بشعور أو عاطفة أو احساس اجتمع عليه صدره نحوه وانطوى عليه .
فهناك من لا يرى غيره بعين رأسه ، بل يراه بعين الحب والرحمة والمودة والألفة ، أو يراه بعين الحقد والغل والكراهية والحسد ، ومن يرى بعين الحب ،فلا يرى فى محبوبه ولا ترمق عينه فيه عيب أو نقيصة .
بل قد يرى بعين حبه نقائصه وعيوبه كمالات فيه ليست فى غيره ، وإن فطنها له عيب او زلة او نقيصه تأولها له ،فهو لا يرى فيهم الا محاسن فيتتبع محاسنهم ومآثرهم لينشرها بين الناس وهذا هو حكم الحب كما يقولون وكما قالوا فى المثل المشهور”مراية الحب عامية”
على عكس من ينظر إلى الناس بمطويات صدر ملئها الغل والحقد ، والكراهية قد اعميت عينه ، فلا يرى فى الناس إلا عيوبهم ،ولا تقع عينه إلا على مايحقرون من اعمالهم ، ولا يتتبع إلا عوراتهم ليبرزها للناس .
وشتان بين من صح نظره بالحب ، وبين من ارمدت عينه بالبغض وسوء الخلق.
وإذا تحدثنا عن عين الحب ، فهى تلك العين التى تتغاضى عن العيوب والنقائص ، ولا ترى إلا محاسن ومآثر ،فتغض عن القبيح وتستره ،إنها العين الاجتماعية العامة التى يجب أن ينظر بها كل افراد المجتمع إلى بعضهم البعض.
فهى عين تدعم الروابط والاواصر الاجتماعية ، وتؤكد سلام المجتمع وأمنه وأمانه .
وتقلل المشاكل الاجتماعيه ، بل وتسهم إسهاما عظيماً فى تقليل العنف الاجتماعى فى شتى تركيبات المجتمع ، سواء داخل الأسرة ، أو فى العمل ، أو الشارع ، او المواصلات وغيرها .
ونظراً لأن نظرة المجتمع إلى بعضه بنظرة الحب ، هى الركيزة الأساسية لتوائم المجتمع ،وانسجامة ، وقوته ، وترابطه ، بل ودافع تقدمه ورقيه الحقيقى ، نظراً لما توفره من مناخ ملئ بالتعاون ، والإيثار ، والتراحم .
فإن الإسلام لم يغفلها ،بل جعلها ركيزة إيمان المجتمع المؤمن ،وجعلها علامة الإيمان الصادق فى المجتمع ،وشرط الجنة الأول حين قال صلى الله عليه وسلم (لن تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ، ولن تؤمنوا حتى تحابوا ، هل ادلكم على شئ إذا فعلتموه تحاببتم ؟افشوا السلام بينكم).
وهذا القول الشريف يؤكد أن نظرة الحب الخالية من أى اربة ،او مدفوعة بمنفعة شخصية ،او مرتبطة بمصالح مادية ، هى النظرة المقصودة والمبنى عليها .
إنها عين الحب فى الله، ولله ،والتى لا يكمل إيمان مجتمع إلا إذا عمته هذه النظرة ،
لقد ارادها الإسلام واقعا ملموسا ،وسلوكا له اثره فى المجتمع ، يثمر تراحما وتوادا وإيثارا وتعاون وتكافل واحترام متبادل وسائد فى المجتمع.
هذه النظرة الاجتماعية الحانية ،شق لها النبى صلى الله عليه وسلم طريقا ممهدة وسط صخور المعاملات ، والعلاقات، والانفعالات ، والاهتمامات ،والتوجهات ،وجلب ، المنافع ،ودرأ المضار، والاساليب والوسائل التى تحقق ذلك كله .
هذه الطريق هى السلام الاجتماعى ، حين يتفاعل المجتمع مع بعضه فى كل ماسبق .
(افشوا السلام بينكم)
السلام الذى لا يتفشى إلا بين القلوب السليمة من الاضغان والاحقاد والمنافسة والتسارع على الدنيا .
فلن يأخذ احد اقل من نصيبه أو ازيد.
فارتاحت قلوبهم ، وهدأت نفوسهم ، ولا يحسدون احد على نعمة اعطاه الله اياها .
القلوب السليمة التى تعرف حقوق الناس ، وتؤديها اليهم ، وتترفق بهم ، فتعين المحتاج ،وتغيث الملهوف ، وتواسى المكلوم ، وتغنى المعدوم ، وتعين على نوائب الحق ، وتحترم خصوصيات الآخرين ، ولا تتدخل فى شؤونهم دون طلب أو إذن .
مجلة روح الاسلام فيض المعارف
