الاستقامة والازدواجية.. مقارنة بين طريق الحق وطريق النفاق

بقلم الكاتب والباحث: عبد الكريم فتاح أمين

من خلال البحث والممارسة المتواصلة من منطلق نصوص عدة وصلنا إلى معلومة أن الإنسان في حد ذاته نوعان:

الأول: الإنسان المعتدل، وهو لا يميل نحو اليمين ولا الشمال في سيره قط بل يسير على الصراط المستقيم الذي أخذه من أساتذته وأسرته العلمية الدينية.

دوماً أنظاره الثاقبة على الأهداف التي يناضل من أجلها، يناضل لأجل عقيدة واحدة وهي عبارة عن ( لا إله إلا الله)في صراط واحد تاركا السبل المعوجة، ويحافظ على ذلك طوال حياته ولا يتغير لحظة ما كما قال سبحانه وتعالى:

﴿ وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (153) الأنعام.

فالغاية العظمى لدى ذلك النوع من الإنسان العلاقة الروحية والجسدية الدائمة مع مولاه جل وعلا ، ولو صرف وقتا قصيرا مع الظلمة وطالبي الدنيا يحسب أنه ظلم نفسه وأنه أوقد النيران والجحيم على نفسه وأنه اقترف جرائم جسيمة لا تجبر ، مستنبطا ذلك من قول تعالى::

﴿ وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ (113) هود.

دوماً يدعو الله تعالى أن يضعه على صراط من قبله من الأنبياء والاولياء والصالحين، ولا يجعله مغضوبا عليه ولا ضالا بل ضابطا على ما قرره الله تعالى في شريعته الغراء:

﴿ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (7) الفاتحة.

من أراد نيل الفوز والسعادة الأبدية وتسجيل إسمه في الفالحين والفائزين فليعتدل ولا يمل نحو طرف السبيل.

وبالبداهة من يعتدل في مشيه لا يتعرص للانحراف والعدول عن الحق قاطبة كما قال سبحانه : ﴿ وَاللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيِرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا﴾سورة النساء (الآية 27)

تعالوا معي يا احبائي حتى أقول لكم شيئا عظيما: الإنسان لا ينجح حتى في الدنيا ولا ينال الشخصية القوية المعولة عليه من بين المجتمع ولا يصير معترفا به في بني قومه إذا رأوه مذبذبا وحراكا ومتغيرا وذات ألوان متعددة حسب المجالس والظروف:

﴿ فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا ۚ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (112)هود.

ومن الغريب والصعب أن يتواعد على أداء فعل أو يقوم بأمر ثم يخلف، وهذا يعتبر سما قاتلا لسمعته:

﴿ وَمِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (75) فَلَمَّا آتَاهُم مِّن فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوا وَّهُم مُّعْرِضُونَ (76) فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَىٰ يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (77) أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (78) التوبة.

الثاني: المنافق، فهذا النوع ليس له وجه واحد بل له الوجوه الغزيرة المتعددة يصرفها حسبما تقتضي نفسه الأمارة بالسوء والمصلحة الشخصية الواهية.

سبحان الله لا يفعل شيئا رائعا دافعه رضى الله تعالى والآخرة ولا يترك شيئا شنيعا رادعه خوف الله تعالى، ولذا يتواضع ويستصغر في الأماكن التي فيها المصلحة المادية ويستكبر إذا أمن من انعكاسات المقابل ، يكذب ويتهم الأبرياء ويزور وينم،

علاوة علي ذلك تورطوا بنكبة خطيرة بأنهم يحسبون أنفسهم الداهية واعجوبة العصر والقرن، يتغير عليهم كل شيء ، أصبح الحسن قبيحا والقبيح حسنا عندهم، والآية التالية تضع البنان على الحقيقة : ﴿ قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (103) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (104) الكهف.

أجل تغيرت النتائج والأهداف عند هذا النوع من الإنسان ، فالعقل الذي ثروة معنوية للإنسان يتعرض للهبوط والانحطاط والاضمحلال ، ينسى ذاته الإنسانية التي لا يفهم الحقائق بدون الاعتماد على دين الله تعالى والاستعانة بذاته الاقدس ، يستطيع أن يمكر ويكيد غيره حتى لا يستثني الله تعالى نعوذ بالله العلي القدير في هذا الجانب الخبيث:

﴿ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَىٰ يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا (142) مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَٰلِكَ لَا إِلَىٰ هَٰؤُلَاءِ وَلَا إِلَىٰ هَٰؤُلَاءِ ۚ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا (143) النساء.

فالقرآن الكريم ملييء من ذلك كما كرر الله تعالى نفس الموضوع في الآية الكريمة التالية:

﴿ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ ۖ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (30) الأنفال.

وبديهي يقعون في بؤرة النتنة القذرة، وفي النهاية يصيرون جزأ لا يتجزى من تلك البؤرة، يصيرون من أهل النار ومن تاركي الصلاة والزكاة والصيام وكل الشعائر التي تكون رمزا للعبودية، ويخسرون الكرامة الإنسانية والنزاهة والبراءة والملكية:

﴿ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (145) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَٰئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ ۖ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (146)النساء.

وفي النهاية أقول: فالذين يتصفون بهذا الوصف الذميم يصبحون دملا وجرثوما خطيراً على جسد الإنسانية السمحاء، فالمسلمون آنذاك بحاجة إلى إزالة واستئصال هذا الدمل والجرثوم الجسيم الخطير من طريق عملية تطهير المسلمين باليد والنصح كما قال سبحانه، لأنهم خسروا الجدية والأدب والحشمة والحياء مع الله تعالى، يقعون في استفزاز مخل مع الخالق والمخلوق :

{ وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آَمَنُوا قَالُوا آَمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (14) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (15)(سورة البقرة)