تدين العبادات أم تدين السلوك؟ كيف أعاد القرآن بناء مفهوم التدين الحقيقي

بقلم : أ . چيهان عبد العزيز بدر الواعظة بوزارة الأوقاف المصرية ( سما الشاطبي )

تأملت كيف لم يجعل القرآن التدين حالة محصورة في الشعائر الظاهرة ولا سلوكا منفصلا عن العبادة وإنما بنى مفهوم التدين على وحدة داخلية عميقة تربط بين ما يفعله الإنسان بجوارحه وما يستقر في قلبه لأن التدين في التصور القرآني ليس طقوسا تؤدى ثم تنتهي وإنما هو بناء مستمر يعيد تشكيل الإنسان في كل لحظة اختبار فحين تحدث القرآن عن العبادات لم يجعلها مجرد أداء شكلي وإنما ربطها بالمعنى والسلوك .

فقال سبحانه ( إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ) سورة العنكبوت آية 45 فالصلاة هنا ليست حركة منفصلة عن الحياة وإنما قوة ضبط للسلوك تمنع الانفصال بين العبادة والأخلاق وكأنها معيار يومي لصدق التدين أو اضطرابه ثم تأملت كيف ربط القرآن بين الإيمان والسلوك العملي .

فقال تعالى ( قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون والذين هم عن اللغو معرضون ) سورة المؤمنون آية 1 إلى 3 فالإيمان لا يعرفه القرآن باعتباره تصديقا مجردا وإنما هو ما وقر في القلب وصدقه العمل وكأنه منظومة سلوك تبدأ من الخشوع وتمتد إلى ترك اللغو وكأن التدين الحقيقي يظهر في التفاصيل الصغيرة قبل المواقف الكبيرة .

ثم وجدت أن القرآن لا يفصل بين العبادة والمعاملة إنما يجعل كليهما مظهرا واحدا للدين حين قال سبحانه ( ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا ) سورة الإنسان آية 8

فالسلوك هنا يصبح امتدادا مباشرا للإيمان والعبادة تتحول إلى فعل اجتماعي يعكس صدق ما في القلب ثم تأملت كيف حذر القرآن من انفصال العبادة عن السلوك فقال تعالى ( يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون ) سورة الصف آية 2 إلى 3

فالتدين إذا انفصل فيه القول عن العمل فقد روحه وتحول إلى شكل خارجي لا يعكس حقيقة الإيمان ثم وجدت أن القرآن يربط التقوى بالسلوك اليومي لا بالمظاهر التعبدية وحدها .

فقال سبحانه ( ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر ) سورة البقرة آية 177 فالتدين هنا أعيد تعريفه ليخرج من دائرة الشكل إلى دائرة الفعل والخلق والنية .

وأدركت أن الفرق بين تدين العبادات وتدين السلوك ليس فصلا بين نوعين من الدين وإنما هو فرق في عمق الفهم فكل عبادة في القرآن مقصودها أن تتحول إلى سلوك وكل سلوك صحيح في ميزان القرآن هو أثر مباشر لعبادة صادقة حتى يصبح الدين كله حالة واحدة ممتدة لا تنفصل فيها الصلاة عن الصدق ولا الصوم عن الأخلاق ولا الإيمان عن الفعل الإنساني في الحياة