من خلف الأبواب المغلقة: تود أن تقول
8 مايو، 2026
بناء الأسرة والمجتمع

بقلم : أ. بسمة القفاص الواعظة بوزارة الأوقاف المصرية
إلى من ملكت فؤاد زوجي.. إلى من أنجبت رفيقي عمري.. إلى من هدهدت صغاري.. إلى جدة أبنائي: أود أن أخبركِ أموراً كم كنتُ أتمناها.
لقد خرجتُ من بيت أبي بعدما رباني وأدبني، ومن تحت يد أمي بعدما هذبتني، وكبرتُ أمام أعينهم لحظة بلحظة؛ أنجح وأخفق، وأفرح وأحزن، من بيت رباني بعينه ومن بين إخوةٍ هم سندي. ثم سكنتُ فؤاد ولدك وسكن فؤادي، بل امتلكني.
في بيت أبي، كان أبي هو الأول ثم أمي وإخوتي، ولكن حين زُففتُ إليكم تبدل الحال وسبق زوجي أبي في الأمر والطاعة. فلا تلومي زوجي على حبه لي، ولا تلوميني على حسن معاملته؛ أنتِ أنتِ، وأنا أنا. لا تقلقي ودنا بغيرتك على ابنك، فأنتِ لكِ مكانتك في قلبه وأنا لي مكاني.
أنتِ ربيتِ وكبرتِ وأدبتِ، وكذلك أهلي، فاتركينا نبني حياتنا. ولا يمنع ذلك أن تكوني مستشارة لنا، فكم أحب الجلوس إليكِ والحوار معكِ كما كنتُ أفعل مع أمي؛ تنصح وتوجه بحب. فلا تجعليني أندم أني أحاوركِ بسبب سوء ردكِ أو سوء ظنكِ بي.
كنتُ أتمنى بيتاً يشبه بيت أبي؛ أنزل وأطلع وأدخل بحدود، وبحب أيضاً وخوفٍ عليّ. لا تجعليني أخاف النزول أو الصعود إليكم حتى لا أرى أعينكم التي تحمل معاني اللوم بأني مقصره و “خطفتُ” ولدك ثمرة عمرك. أنا لم أخطفه منكِ، بل هذه سنة الحياة كما جئتِ أنتِ لزوجك من بيت أبيكِ.
أود أن أشعر معكِ بالأمان لا بالخداع. أحبكِ أن تكوني سري، فإذا بدر من ابنك شيء يضايقني، أرجع إلى “مفتاحه الأصلي” وأطلب المساعدة، فلا تجعليني أندم أني استشرتكِ. أحب إرضاءه فساعديني، ولا تكوني سبباً في تنغيص حياتي.
لقد كنتِ أنتِ قبلي زوجة، وكنتِ تودين أن يكون لكِ خصوصيات داخل شقتك، تلك التي شعرتِ فيها بالخوف تارة لأنها جديدة عليكِ، وبالأمان تارة لأنكِ تأنسين بزوجكِ. وأنا كذلك أحب ابنكِ وأتودد إليه فساعديني، ولا تثقلي عليّ بمفاجآت تنغص حياتنا.
عامليني كما تحبين
عامليني كما كنتِ تتمنين أن تعاملكِ أم زوجكِ، وكما تتمنين أن تعامل أم زوج بناتكِ بناتكِ. ربتني أمي على الأمانة والصدق في المعاملة والحسنى والعشرة الطيبة، ورأيتُ أبي يحسن معاملة أمي فتمنيتُ زوجي أن يكون كأبي لأمي وقد كان، فلله الحمد.
لا تحزني إن وجدتينا نضحك أو نخرج، فكم ضحكتِ وخرجتِ وفرحتِ. أنجبتِ فوفقتِ فربيتِ ورُزقتِ، فإذا رجعتُ إليكِ للنصح فلا تتخلي ولا تبخلي. أنا أتقرب بحبكِ لقلب زوجي، وأود أن أبات وزوجي راضٍ عني، فلا تكوني سبباً في ليلة يبات فيها ثمرة فؤادك منغصاً بسبب “همز أو لمز”. إن أخطأتُ -وهذا وارد- فانصحي ني ولا تكتمي في قلبكِ فيتملك منكِ الشيطان فتبغضيني وتكيدي لي.
لقد دخلتُ عليكم بقلب يملؤه الحب والسرور أن لي بيتاً وزوجاً، وبقلب سعيد أني كبّرتُ أسرتي، وبقلب قلق أني أترك بيت أبي الذي عشت في عزه وأمي الأصيلة التي احتوتني. فلا تحزني قلبي ولا تكسريه بكثرة غيرتك على ولدك الذي تعبتِ من أجل أن تفرحي به؛ فاسعدي لسعادته ولا يملككِ الشيطان.
مرحباً بكِ في داري ومملكتي. إن جئتِ إليّ فلكِ عليّ أن أحسن مقابلتكِ وضيافتكِ، وأن أحاذر في كلامي حتى لا أجرحكِ، وأعدكِ أن تقضي عندي أفضل وقت. لكن لا تؤذيني بالنظرات المؤلمة إن وجدتِ داري غير مرتبة، فالتمسي لي العذر؛ فقد كثرت عليّ المهام وأحفادكِ يلعبون وهم صغار وينشرون الحياه فلا أتمكن من دوام الترتيب. لا تفاجئيني بالزيارة، وإن حصل فتقبليني على حالي أنا وأحفادكِ. إن لجأتُ إليكِ يوماً كوني لي خير معين فلا تخذليني.
لقد تقاسمنا قلب ابنكِ، ولكن لكِ مكانتكِ العظيمة وولي مكانتي. سأزرع في أبنائي حبهم لكِ كما زرعتِ حبكِ في قلبه، وسأغرس فيهم تقديركِ فهذا دين وود وقربة.
أرجع اليها وأقول: لا تنتظري أجراً ولا شكراً، بل انتظري الأجر من الله (لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا). أحسني إليها، توددي لها قدر المستطاع، واصبري.
اليك زوجي: لا تظهر محبتك لي أمامها، ولا تتحدث عني كثيراً في حضرتها. وإن شعرتَ بأذى منها غير مقصود في حضرتك، “فطبطب” على قلبي بنظرة (لا تحزني). وإن أنا أسأتُ إليها مرة، فعاتبني ولطّف الأمر بيننا.
“وفي الختام، إننا يا سيدتي لا نكتب لننتصر، بل نكتب لنتعايش. إن هذه الحياة تدور دورة كاملة، وما أزرعه فيكِ اليوم سيحصد أبنائي ثمار بّره فيّ غداً. فكوني لي أماً لم تلدني، لأكون لكِ ابنةً لم تنجبيها، ولنجعل من هذا البيت واحة أمانٍ يسكنها الحب، ويظلها الرضا، ويحرسها الله بعينه التي لا تنام. فما أجمل أن نجتمع على الود، ونفترق على الشوق، ونبقى في قلب ‘ثمرة فؤادك‘ ذكرى طيبة لا تنغصها الكلمات.”
(رسالة من قلب زوجة ابن.. تمنت لو أنها قيلت).