القتل المعنوي: الجريمة الصامتة التي حذّر منها الإسلام قبل أن ننتبه لها


بقلم د/ بشير عبد الله علي
من علماء الأزهر الشريف

حرم الإسلام الاعتداء على النفس أو على ما دون النفس أيا كانت هذه النفس المعتدى عليها “نفسا مسلمة أو غير مسلمة” قال الله تعالى: (وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا) هذا وللنص الكريم تأويلات كثيرة منها: لا يقتل بعضكم بعضا ، فإن قتل بعضكم لبعض قتل لأنفسكم ، وفيه مبالغة في الزجر عن هذا الفعل.

والمتبادر إلى الفهم أن النهي هنا نهي عن القتل الحسي إلا أنني أرى أن هناك نهي عن القتل المعنوي الذي يكون بالنظرة، أو بالكلمة…

وهو أبلغ في قتل النفس وتدميرها ، فكم من كلمة سوء قتلت نفسا وأماتتها معنويا ، ودمرتها داخليا ، حتى أردتها حسيا ، مخالفة بذلك تعاليم الإسلام السمحة التي وجهت بجمع المؤمنين على التناصح والتراحم والتعاطف ، والنصوص في ذلك كثيرة منها قول النبي صلى الله عليه وسلم: (الدين النصيحة) وقوله صلى الله عليه وسلم: (مثل المؤمنين في توادهم ، وتراحمهم ، وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى) فالمجتمع الصالح هو ذاك المجتمع الذي يستشعر بعضه آلام بعض بالعون والمساعدة والكلمة الطيبة ، التي تجدد الآمال ، وتحي نفس الإنسان ، وتقوي اليقين في الله “عز وجل” ذاك اليقين الذي يثمر سكون القلب وطمأنينة الروح وراحة النفس ، الذي يشعرك أن الله تعالى معك في كل تفاصيل الحياة….ها هي زوجة يدخل عليها زوجها “وكان يعمل نجارا” فزعا لأن الملك حكم بقتله وقد تسرب الخبر إليه فلم يستطع النوم ليلتها.

فقالت له زوجته بكل يقين :
ايها النجّار نم ككل ليلة فالرب واحد والأبواب كثيرة .

نزلت الكلمات سكينة على قلبه فنام ليلته ولم يفق إلا على صوت قرع الجنود على بابه. شحب وجهه ونظر إلى زوجته نظرة يأس وندم وحسرة على تصديقها.

فتح الباب بيدين ترتجفان ومدهما للحارسين لكي يقيدانه
قال له الحارسان “في استغراب” : لقد مات الملك ونريدك أن تصنع تابوتا له.

أشرق وجهه ونظر إلى زوجته نظرة اعتذار.

ابتسمت وقالت : أيها النجّار نم ككل ليلة فالرب واحد والأبواب كثيرة.