ابن تيمية ونظرية البلكفة قراءة نقدية في المعطيات والنتائج


بقلم الشيخ :  محمود عبده الشافعي الأزهري

لعل القارئ الكريم يتعجب من تلك المفردة الغامضة (البلكفة)
ولكن يزول التعجب عندما ترتبط المفردة بعالم كبير مشهور بإثارة الجدل في فكرنا الإسلامي كابن تيمية رحمه الله تعالى
،الذي لم يدع مجالا في تراثنا الإسلامي إلا وأكب على البحث فيه لكنه خرج في أغلب الأحيان بخرق إجماعات فقهية واستقل باختيارات عقدية خالف بها بين جمهور الأمة الإسلامية فضلا عن نيله وانتقاصه لعلماء كبار لهم وزنهم ومكانتهم في الفكر الإسلامي وما الفخر الرازي عن ذلك ببعيد!

أظنك تقول الآن ما علاقة هذا بالبلكفة ؟
وأجيبك بأن هذه المقدمة مهمة لك في بيان المسالك التي سار الشيخ فيها والتي كان من نتائجها نظرية البلكفة وغيرها من النظريات والآراء التيمية العجيبة،

وحتى لا يتشعب بنا الموضوع دعني أبين لك ما هي البلكفة؟
هي باختصار شديد التركيب الممزوج بين (بِلا)و(كيف)،
فابن تيمية إذا ضُيق عليه في الإثبات الحقيقي للنصوص الموهمة للتشبيه دائمًا يقول(نثبتها بلاكيف)وأن ذلك حسب ظنه يعد فرارًا من التشبيه والتجسيم،

والسر الذي أوقع ابن تيمية في هذا الحرج أن ابن تيمية ينكر وقوع المجاز في القرآن الكريم وبالأخص عند التعرض لتفسير ما أسماه بتوحيد الأسماء والصفات،

وهو بذلك قد أخذ على نفسه عهدًا أن يسير وفق ما قرر،
فمثلا عندما يأتي إلى قوله تعالى”يد الله فوق أيديهم”
يقرر ابن تيمية وفق رؤيته أن لله يدًا وهي ثابتة لله على الحقيقة لا على المجاز،
فإن رُدَّ عليه بأن ذلك يلزم منه إثبات الجارحة لله تعالى
،لأن اليد على الحقيقة تعني الجارحة ذات الأصابع والعروق وغير ذلك مما يشمله المعني على الحقيقة وهذا يتنزه عنه المولى سبحانه لقوله تعالى”ليس كمثله شيء وهو السميع البصير”
هنا يكابر ابن تيمية ويقول “يد بلا كيف”يقصد أن لله يدًا على الحقيقة ولكنها ليست معقولة الكيفية!
وتلك هي المغالطة الأولي،
وأما المغالطة الثانية فهي ادعاء أن هذا القول هو مذهب السلف الصالح،
والمغالطة الثالثة أنه يعتبر القائل بغير هذا مبتدع ومعطل لصفات الله تعالى!!!
فهل يستقيم هذا الكلام من ابن تيمية؟
بالطبع لا،

فإن العقلاء جميعًا في كل زمان ومكان اتفقوا على أن النقيضين لا يجتمعان معًا على شيء واحد في جهة واحدة في آن واحد،
فمثلا لا تجتمع الحركة والسكون على شيء واحد في آن واحد فالشيء إما ساكن وإما متحرك،
وكذلك لا يجتمعُ الإثباتُ الحقيقيُّ لليد مع نفيِ كيفيتِها التي هي لازمٌ ذاتيٌّ للمعنى الحقيقي لليد،

فما دام ابن تيمية قد أثبت يدًا لله على الحقيقة فيلزمه أن يسلم بالكيفية لأن المفردات وضعت بإزاء المعاني فاليد حقيقة هي الجارحة وعندئذ لا عبرة بقوله نثبتها بلا كيف لأنه يكون من قبيل إثبات الشيء ونقيضه وهذا محال عقلا كما بينا،

وأما ادعاء أن الإثبات الحقيقي بلا كيف هو مذهب السلف فهذا مما لا يسعفه لأن الوارد عن السلف في الصفات الإلهية “أمروها كما جاءت”وهو تفويض وليس إثبات،

وأما اتهام من يخالف رأيه ومذهبه بالبدعة والتعطيل فهذا إجحاف وميل عن الحق وتعصب لا نرضاه من قامة مثل
ابن تيمية فمعلوم أن الذين يقولون بخلاف قوله هم السادة الأشاعرة ومن وافقهم،
وهؤلاء لم يعطلوا صفة لله تعالى وإنما أرادوا التنزية المطلق لله فلم يجدوا إلا طريقين:
الأول:
تفويض المعني لله بعد الإيمان باللفظ القرآني ونفي الظاهر منه المؤدي إلى التشبيه،ويعنون بالتفويض أنه من قبيل المتشابه الذي استأثره الله بعلمه فلا نخوض في معناه وهو الأولى والأسلم عندهم،
والثاني:
أنهم يضطرون إلى المجاز في شرح تلك النصوص لأن الحقيقة اللغوية لم تسعفهم في التنزيه فيقولون بأن المراد من اليد القوة والنعمة وما يدل عليه المجاز من تلك المفردة وهو القول الآخر لديهم،
وأنت خبير بأنه لا ثالث في طريق العلم يسلم من المعارضة أو المؤاخذة،
وبذلك تجعل (البلكفة)ابن تيمية مُعلَّقاً في إثباته بين لزوم الحقيقة ونفي الكيف، بينما يظل الأشاعرة في تنزيههم بين أمان التفويض ومنطق التأويل.