تُضيّع دقيق العلم… به تُبنى البصيرة”
3 أبريل، 2026
بناء الأسرة والمجتمع

بقلم د إبتسام عمر عبد الرازق الواعظة بوزارة الأوقاف المصرية
سلسلة بيوت على نور (22)
قال الإمام محمد بن إدريس الشافعي: “من تعلّم العلم فليُدقّق، لئلا يضيع دقيق العلم”… وكأنها وصية لا لطالب العلم فقط… بل لكل من أراد أن يسير إلى الله على بصيرة. فالعلم ليس كلمات تُحفظ… ولا معلومات تُجمع… بل نورٌ يُغرس في القلب، لا يثبت إلا بالتأمل… ولا يثمر إلا بالتدقيق…
العلم في القرآن ليس سطحيًا حين مدح الله أهل العلم، لم يمدح كثرتهم بل عمقهم: ﴿ إنما يخشى اللهَ من عباده العلماءُ ﴾ فالخشية هنا ليست ثمرة سماع عابر…
بل ثمرة فهمٍ دقيق ونظرٍ عميق وقال تعالى: ﴿ أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها ﴾ فالتدبّر هو أن تقف عند الكلمة تسأل: لماذا؟ وكيف؟ وإلى أين تقودني هذه الآية؟
قال النبي ﷺ: “نضّر الله امرأً سمع مقالتي فوعاها فأدّاها كما سمعها” فلم يقل: سمعها فقط بل وعاها أي فهمها، وأحاط بمعناها وهذا هو الفرق بين ناقلٍ للعلم وبين حاملٍ له.
الصحابة كانوا يخافون من الخطأ أكثر من الجهل كان عبد الله بن مسعود
يقول: “اقتصاد في سنة خير من اجتهاد في بدعة” لأنه يعلم أن الخطأ في الفهم… قد يفتح باب ضلال. وكان عمر بن الخطاب يتوقف عند الآية، ويرددها، ويبحث في معناها… لا يمرّ عليها مرورًا سريعًا، لأنه يعلم أن كلمة واحدة… قد تغيّر مسار أمة.
لماذا التدقيق؟
لأن دقيق العلم هو الذي يصنع الفرق:
• بين قلبٍ يتأثر وقلبٍ يعتاد
• بين داعيةٍ يُحيي القلوب وآخر يملأ الآذان فقط
• بين من يرى ظاهر النص… ومن ينفذ إلى روحه
كم من كلمةٍ صغيرة… أهملها إنسان… فضاع منه فهمٌ كبير…
وكم من معنى دقيق… أحياه آخر… فصار نورًا في قلبه وحياةً في دعوته…
لا تمرّ على العلم مرور العابرين… قف… تأمّل… اسأل… ارجع… تدبّر…
فإن لم تتعب في فهمه… تعبت في تطبيقه…
وإن لم تدقّق في طلبه… تاهت بك الطرق وأنت تظن أنك على هدى…
العلم لا يُعطيك بعضه… حتى تعطيه قلبك كله
فإن أعطيته قلبًا مشتتًا… أعطاك فهمًا سطحيًا
وإن أعطيته قلبًا حاضرًا… فتح لك أبوابًا من النور
اللهم ارزقنا علمًا نافعًا… وفهمًا عميقًا… وبصيرةً تهدينا إليك