
بقلم الشيخ : أحمد أبو المجد الأزهرى
تحذير 
تُعد الحداثة في جوهرها مشروعاً لإحلال “مركزية الإنسان” محل “مركزية الوحي”، وهي رؤية فلسفية لم تكتفِ بتطوير المادة، بل سعت إلى إعادة صياغة الوجود الإنساني بعيداً عن المطلقات الغيبية.
القارئ الكريم اعلم أن معركة الأفكار اليوم لم تعد تقتصر على المتون الفلسفية أو المناظرات الفكرية الكبرى، بل انتقلت إلى زوايا البيوت عبر الشاشات، متوسلةً بـ “القوة الناعمة” التي تنفذ إلى الوجدان دون استئذان.
ومن أخطر هذه المسارات ما يمر عبر الواجهات الإعلامية، والأعمال الدرامية، والسينمائية، غير أن المنفذ الأكثر حرجاً وخطورة هو “رسوم الأطفال المتحركة”، التي تُصاغ لتشكيل وعي النشء على قيم الحداثة وماديتها، ويمثل مسلسل «السنافر» نموذجاً فجّاً لهذا الطرح، ومن هذه الأفكار التي يروجها السنافر:
قرية السنافر نموذج لـ تأليه الإنسان.
فالإنسان الحداثي في عالم السنافر، لا نرى له أي أثر للدين، أو الغيب، أو عبادة لقوة عليا (الله عزوجل).
التجربة هي الأصل وليس الدين
بابا سنفور كمرجعية: بابا سنفور هو “الحكيم” و”العالم” هو يمثل “العقل” في أنقى صوره الحداثية، قراراته ليست مستمدة من وحي، بل من كتبه ومختبره وتجاربه، السنافر يطيعونه لأنه “الأكثر علماً”، وهو نموذج “الناقد الخبير” وهو البديل “العلماني” لمفهوم “المجتهد” في علم أصول الفقه.
فالسنافر يواجهون مشاكلهم (شرشور، الكوارث الطبيعية)
بالتعاون، والاختراعات، والحيل العقلية، وليس بالدعاء أو الالتجاء للقوى الغيبية، هذا تجسيد لـ “الاكتفاء الذاتي للإنسان” الحداثي.
الأم هي الطبيعة
كبديل للخالق (المادية والعلماينة) هذه هي النقطة الأقوى في تحليلك، في الكثير من أدبيات وفلسفة الحداثة، يتم استبدال مفهوم “الخالق” الذي يتدخل في الكون بمفهوم “الطبيعة” كقوة فاعلة ومنظمة.
شخصية “الأم طبيعة” في السنافر، تظهر شخصية “الأم طبيعة” كمرجعية توازن الكون، فهي التي تتحكم في الفصول، والنباتات، والظواهر الطبيعية، والسنافر يلجأون إليها عندما يختل التوازن المادي.
يريدون بذلك ترسيخ فكرة أن الكون تحكمه قوانين طبيعية مادية (تجسدها الأم «الطبيعة») يمكن التعامل معها، وليس قضاء وقدراً إلهياً، وهذا ينسجم تماماً مع “المادية” الحداثية التي تقصر الوجود على ما هو ملموس ومشاهد.
السنافر وتفكيك التراث (التقدمية)
الحداثة تؤمن بأن التقدم يقتضي “الثورة على التراث” كيف يظهر هذا؟
السنافر يعيشون في “الآن” لا نرى تاريخاً للسنافر، أو أجداداً، أو تقاليد موروثة يجب الالتزام بها لمجرد أنها قديمة، كل سنفور يعرف بدوره الحالي (سنفور قوي، سنفور مفكر، سنفور مازح).
أنسنة النص (إذا اعتبرنا قصة السنافر نصاً)
إذا طبقنا منهج الحداثيين العرب (مثل أركون أو شحرور) الذين يريدون إخضاع النص “لقوانين الإنسان”، فإن قرية السنافر هي “نص” تم إفراغه من كل محتوى غيبي، وأصبح يفسر ذاته بذاته بناءً على تجارب سكانه، لا توجد قواعد “أصولية” تحكمهم سوى قاعدة “ما ينفع التجربة البشرية”.
خلاصة القول:
كرتون السنافر بعلم أو بدون علم من مؤلفه، يقدم عالماً علمانياً، مادياً، عقلانياً، يعتمد فيه الكائن (السنفور) على عقل حكيمه (بابا سنفور) وعلى توازن القوى المادية (الأم طبيعة)، للخلاص من الشر (شرشور – الذي يمثل الفوضى أو الرجعية في هذا السياق).
مجلة روح الاسلام فيض المعارف