بحر البقر… جرحٌ في قلب الوطن لا يندمل
1 أبريل، 2026
أخبار العالم الإسلامى

بقلم الشيخ : حسين السمنودى
في الثامن من أبريل عام 1970، لم يكن الصباح في قرية بحر البقر بمحافظة الشرقية يوماً عادياً، بل كان يوماً كُتب بالدم، وسُطر بالألم، وظل محفوراً في ذاكرة وطنٍ بأكمله حتى اليوم. في هذا اليوم الحزين، قصفت طائرات العدو الصهيوني من طراز فانتوم إف-4 مدرسةً ابتدائية تضم أطفالاً أبرياء، لا يحملون سوى دفاترهم وأحلامهم الصغيرة، فحوّلت ضحكاتهم إلى صرخات، وأجسادهم الطاهرة إلى أشلاء متناثرة على أرض الفصول الدراسية .
إنها مجزرة بحر البقر… واحدة من أبشع الجرائم التي عرفها التاريخ الحديث، حين استهدفت آلة الحرب طفولةً بريئة، بلا ذنبٍ سوى أنها وُلدت على أرضٍ ترفض الانكسار. أكثر من ثلاثين طفلاً استشهدوا في لحظات، وأصيب العشرات، وارتفعت أرواحهم الطاهرة إلى السماء شاهدةً على وحشية عدوٍ لا يعرف للإنسانية معنى.
لم تكن المدرسة هدفاً عسكرياً، ولم تكن القرية ساحة حرب، بل كانت حياةً بسيطة هادئة، يملؤها الأمل في مستقبلٍ أفضل. لكن العدو أراد أن يزرع الخوف، وأن يكسر إرادة شعبٍ صامد، فاختار أضعف حلقاته… الأطفال. ولم يدرك حينها أن دماء الأطفال لا تُخيف الشعوب، بل توقظ فيها ناراً لا تنطفئ.
تحولت بحر البقر في لحظة إلى صرخة مدوية هزت وجدان كل مصري، بل كل إنسان حر في العالم. أمهات مفجوعات، وآباء مكسورو القلوب، ودفاتر ملطخة بالدماء، وسبورةٌ صامتة تحكي ما عجزت الكلمات عن وصفه. مشهدٌ يفوق الخيال، لكنه كان واقعاً مريراً عاشه أهل القرية، واحتضنه وجدان مصر كلها.
لكن مصر لم تنكسر… ولم تصمت. جاء الرد سريعاً، حاسماً، يليق بحجم الجرح. ففي الثلاثين من مايو عام 1970، دوّت ضربات قواتنا المسلحة لتثأر لدماء الأبرياء، وتُعلن أن هذا الوطن لا يُهان، وأن دم أبناءه ليس رخيصاً. كانت رسالة واضحة: أن مصر تعرف عدوها جيداً، ولا تنسى، ولا تسامح من يعتدي على كرامتها.
إن مجزرة بحر البقر لم تكن مجرد حادثة عابرة في سجل الحروب، بل كانت نقطة تحول، وجرس إنذار للعالم كله، بأن هذا العدو لا يتورع عن ارتكاب أبشع الجرائم، وأن دماء الأبرياء بالنسبة له مجرد وسيلة لتحقيق أهدافه. لكنها في المقابل، كانت وقوداً لصمود شعب، وعزيمة جيش، وإرادة وطن قرر أن يقف شامخاً مهما كانت التضحيات.
واليوم، بعد كل هذه السنوات، ما زالت صور الأطفال حاضرة في الذاكرة، ما زالت دموع الأمهات تُروى في الحكايات، وما زال الألم يسكن القلوب. لكن ما يسكنها أيضاً هو الفخر… فخر الانتماء لوطنٍ لا ينسى أبناءه، ولا يفرط في حقهم، ولا يساوم على دمائهم.
أما بعد… فإن مجزرة بحر البقر لم تكن مجرد صفحة دامية في تاريخ هذا الوطن، بل كانت الشرارة التي كشفت للعالم أجمع حقيقة عدوٍ لا يعرف حدوداً للوحشية، ولا يقف عند حدٍ من الدماء. فمنذ أن سقط أطفالنا الأبرياء تحت قصف طائرات فانتوم إف-4، لم تتوقف آلة القتل، ولم تخمد نيران الحقد، بل امتدت لتطال كل أرضٍ عربيةٍ وإسلامية، وكأن هناك نهجاً ثابتاً يقوم على الإبادة والترويع وكسر الإرادة.
انظر إلى غزة… تلك البقعة الصغيرة المحاصرة، التي تحولت إلى مسرحٍ مفتوحٍ للمجازر، حيث تُقصف البيوت فوق رؤوس ساكنيها، وتُباد عائلات بأكملها في لحظات، ويُنتشل الأطفال من تحت الركام شهداء قبل أن يعرفوا معنى الحياة. مشاهد الدم هناك ليست استثناءً، بل أصبحت واقعاً يومياً، تُكتب فيه المأساة بدم الأبرياء، ويُعاد فيه تكرار بحر البقر بصورٍ أشد قسوةً وأوسع نطاقاً.
وانظر إلى العراق، كيف سالت الدماء في شوارعه، وكيف تمزق جسده بين الحروب والصراعات، حتى أصبح الألم فيه لغةً يومية. وسوريا، التي عاشت سنواتٍ من النار والدمار، حيث المدن المهدمة، والأرواح المقهورة، والدماء التي لم تجف. واليمن، الذي أنهكته الحرب، وجعلت من أطفاله ضحايا للجوع والقصف والمرض. بل وحتى إيران، التي لم تسلم من دوائر الصراع والاستهداف، في مشهدٍ إقليميٍ معقد، يدفع فيه الأبرياء دائماً الثمن الأكبر.
إنها سلسلة ممتدة من الألم، حلقاتها متصلة، ودماؤها واحدة، ووجعها واحد، وإن اختلفت الجغرافيا. وما بين كل هذه المآسي، يظل خيطٌ واحدٌ واضح: أن هناك عدواً لا يتردد في إشعال النيران، ولا يتراجع عن سفك الدماء، ولا يعترف إلا بمنطق القوة.
ولذلك، فإن بحر البقر ليست ذكرى نبكيها فقط، بل هي عهدٌ نحمله، ودرسٌ نتعلمه، وجرس إنذارٍ لا يجب أن يتوقف عن الرنين في آذاننا. إنها تقول لنا إن النسيان خيانة، وإن الغفلة ثمنها الدم، وإن الشعوب التي لا تحفظ تاريخها تُعيد مآسيها بيدها. تقول لنا إن العدو سيظل عدواً، مهما غيّر الأقنعة، ومهما تزيّن بالشعارات، ومهما حاول أن يُخفي وجهه الحقيقي.
إن دماء أطفال بحر البقر، ودماء أطفال غزة، وأنين أمهات العراق، وصراخ سوريا، ووجع اليمن، كلها تصب في نهرٍ واحدٍ من الألم، لكنها في الوقت ذاته تصنع بحراً من الصمود، وإرادةً لا تنكسر. إنها تذكرنا بأن هذا الوطن، وهذه الأمة، رغم كل الجراح، ما زالت قادرة على الوقوف، وعلى النهوض، وعلى حماية كرامتها مهما كان الثمن.
وسيظل هذا العدو هو العدو اللدود… لا يتغير ولا يتبدل، وسيظل وعينا به هو خط الدفاع الأول، وستظل وحدتنا هي السلاح الأقوى في مواجهته. ولن يكون لنا طريقٌ إلا الثبات، ولا خيارٌ إلا الصمود، ولا مستقبلٌ إلا بوعيٍ لا ينسى، وقلبٍ لا يغفر لمن سفك الدماء، وإرادةٍ لا تعرف الانكسار.
رحم الله شهداءنا الأبرار… وجعل دماءهم ناراً في القلوب لا تخمد، وضميراً حياً لا يغفو، وعهداً متجدداً بأن مصر، وكل أرضٍ عربيةٍ طاهرة، لن تنسى، ولن تسامح، ولن تنكسر… ما دام فيها قلبٌ ينبض بالحياة، وإرادةٌ لا تعرف الهزيمة.