موازينُ القوى الجديدة: قراءةٌ في تداعياتِ المُواجهةِ الإيرانيةِ-الصهيو أمريكية


بقلم: سيد الرشيدي (روائي ومؤرخ)

إنَّ الحروبَ ليست مجرد ساحاتٍ للقتال، بل هي “مختبراتٌ” تكشفُ معادنَ الدول وحقيقةَ قوتها. وما نشهده اليوم في صراع القوى بين إيران من جهة، والتحالف الصهيوأمريكي من جهة أخرى، كشفَ النقاب عن حقائق سياسية وعسكرية كانت تتخفى خلف ستار الدعاية الإعلامية المضللة.

أولاً: صمودُ الميدان.. وبُعدُ النظرِ التسليحي

إنَّ وقوف دولة مثل إيران -رغم سنوات الحصار- في وجه ترسانة عسكرية عالمية تقودها أمريكا وإسرائيل، هو دليلٌ قاطع على تمكنها من أدوات قوتها. لقد أثبتت هذه المواجهة أنَّ طهران امتلكت “بُعد نظر” استراتيجي في بناء منظومتها الدفاعية؛ فلم تكتفِ بالاستيراد، بل صنعت استقلالاً عسكرياً جعل صواريخها ومسيراتها رقماً صعباً في معادلة الشرق الأوسط.

ثانياً: تحطمُ أسطورةِ “العمقِ الآمن”

لقد كشفت هذه الحرب أنَّ أمن تل أبيب باتَ سراباً؛ فوصول الصواريخ إلى قلب الكيان الصهيوني وتحطيم هيبة دفاعاته الجوية هو نقطة تحول تاريخية. وبالرغم من محاولات الإعلام الغربي “التستر” على حجم الدمار الحقيقي داخل المدن المحتلة، إلا أنَّ الواقع يؤكد أنَّ إيران قد أذاقت هذا الكيان من الكأس ذاتها التي سقى منها غزة الجريحة، ليصبح “الردع” متبادلاً ولأول مرة في تاريخ الصراع.

ثالثاً: التحولُ نحو “السلامِ الإجباري”

بناءً على هذا المشهد، فإنَّ تحليلي يشيرُ إلى أنَّ الولايات المتحدة وإسرائيل ستتجهان مرغمتين نحو “تهدئة اللعب”. لقد أدرك الشيطانُ وحليفه أنَّ تكلفة الحرب المباشرة مع إيران ستكون باهظة ومدمرة لمصالحهم في المنطقة. لذا، قد نشهد في الأيام القادمة محاولات لفتح قنوات سلام مستقبلي، أو على الأقل حذف فكرة “المواجهة الشاملة” من الأجندة العسكرية؛ لأنَّ القوي لا يحترم إلا القوي، والوقوف في وجه الطغيان يتطلبُ مخلباً وناباً.

رابعاً: القوةُ كضرورةٍ وجودية

إنَّ امتلاك القوة في منطقتنا العربية والإسلامية هو أمرٌ محمودٌ بل ومطلوب؛ فالسلامُ الذي لا تحميه القوة هو استسلامٌ مقنع. إنَّ صمود أي قوة إقليمية في وجه الأطماع الصهيوأمريكية هو مكسبٌ لتوازن القوى، يمنع الاستفراد بمقدرات شعوبنا ويضع حداً للعربدة التي استمرت طويلاً.

إنَّ التاريخ سيسجلُ أنَّ هذه الحقبة كانت بداية انكسار الهيمنة القطبية الواحدة. وإننا إذ نرصد هذه التحولات، لا ننسى بوصلتنا الأساسية وقلبنا النابض؛ فنسأل الله العلي القدير أن يحفظ مصرنا الأبية، ويصون بلادنا العربية من كل سوء، وأن يديم علينا نعمة المنعة والعزة.