الحزن مُعلم خفي نحو الفهم والوعي ومراعاة الذات

بقلم  أ.د/ مها محمد عبد القادر أستاذ أصول التربية جامعة الأزهر

الحزن شعور إنساني لا يمكن إنكاره أو تجاوزه بالقوة والتجاهل؛ ويعد لغة داخلية تعبر بها النفس عن فقد ما، أو خيبات متراكمة، أو تعب تكرار بصمت عبر الأيام، إنه طريقة الروح في لفت الانتباه إلى ما يحتاج إلى فهم واحتواء بعيدا عن الإقصاء، فمراعاة الذات تعني مرافقة النفس خلال الحزن برفق، ومنحها ما تحتاجه من صبر واحتواء، حتى تعبره بسلام، فالهدف أن نفهمه جيدًا، حتى لا يبقى غريبًا داخلنا، فالإنسان الذي لا يربت على قلبه، قد يقسو عليه دون أن يشعر، ويحمله ما لا طاقة له به، فالحزن، حين يفهم ويحتضن يتحول إلى مساحة هادئة للتأمل، وإعادة ترتيب الداخل، واستعادة التوازن المفقود.

وتبدأ المشكلة حين نحاول الهروب من الحزن أو إنكاره، فنغلق أبواب الشعور، ونؤجل المواجهة، ظنًا منا أن التجاهل وتكبير العقل شفاء، لكن المشاعر المؤجلة تتراكم في الوجدان، وتعود بأثقال مضاعفة، في صورة قلق غامض، أو إرهاق بلا سبب واضح، وتمتد لأمراض بالروح والجسم، لذلك فإن أولى خطوات مراعاة الذات تبدأ بالاعتراف الصادق والقول نعم، أنا حزين، دون جلد للذات، أو مقارنات تصغر من ألمنا، ومن ثم يصبح الحزن معلمًا؛ يعلمنا التمهل، والإصغاء لأنفسنا وفهم احتياجاتنا، وقد يكون بوابة لإعادة الاتصال بما أهملناه في داخلنا، ودعوة لإعادة ترتيب أولوياتنا.

ويقول الله تعالى تشجيعًا لعباده المؤمنين، وتقويةً لعزائمهم، واستنهاضًا لهممهم ﴿وَلَا تَهِنُواْ وَلَا تَحۡزَنُواْ وَأَنتُمُ ٱلۡأَعۡلَوۡنَ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ﴾ (آل عمران: 139)؛ أي لا تضعفوا في أبدانكم، ولا تستسلموا للحزن في قلوبكم عند نزول المصائب واشتداد الابتلاء، فالوهن في الجسد، والحزن المستغرق في النفس، لا يزيدان المؤمن إلا ثقلاً، إن تركا دون مقاومة ووعي، فالخطاب الإلهي يوجهنا إلى تقوية القلوب، وتثبيتها بالصبر، ودفع الحزن عنها وتجاوزه نحو الثبات والعمل، فالإيمان الحق يمنح الشعور معنى، ويحوله إلى قوة داخلية تدفع إلى الصمود، ومن ثم يربي القرآن النفس المؤمنة على التوازن والأمل، تستمد من الإيمان قوة تعيد بها بناء ذاتها، وتنهض بها من جديد.

ويعد الطبطبة على الذات وعي رفيع بحاجات النفس، بأن نمنحها مساحة آمنة للراحة، دون شعور بالذنب، وأن ندرك أن التوقف المؤقت استعادة للقوة، وأن نبطئ قليلًا، نؤجل بعض ما يثقلنا، ونسمح لأنفسنا بالبكاء إن احتجنا؛ فالبكاء تفريغ صحي يخفف ضغط المشاعر ويعيد للنفس توازنها، وكما يحتاج الجسد إلى راحة بعد عناء، فإن النفس كذلك تحتاج إلى لحظات من السكون، تلتقط فيها أنفاسها، وتعيد ترتيب ما اختلط داخلها، فالإرهاق النفسي قد يكون أعمق وأطول بقاء من الإرهاق الجسدي إن لم يلتفت إليه، فمراعاة الذات تعني أن نعامل أنفسنا كما نعامل من نحب نصغي لها، نحتوي ضعفها، نشجعها عند التعثر، ونمنحها فرصة للبدء من جديد، فالقسوة تورث انكسارًا خفيًا، أما اللطف فيعيد ترميم الداخل، ويمنح الإنسان قدرة حقيقية على الاستمرار.

ويمثل الحزن فرصة حقيقية لإعادة ترتيب الأولويات، وإعادة النظر في مسار الحياة، ففي لحظات الانكسار، تنكشف حقائق كانت غائبة عنا، وتتضح أمور لم نكن نراها ونحن منشغلون بضجيج السعي اليومي، عندها قد ندرك أننا كنا نركض خلف ما لا يستحق، أو نهدر وقتنا وطاقتنا فيما لا يضيف معنى حقيقيًا لحياتنا، في مقابل إهمال ما هو أهم وأبقى، ومن ثم يتحول الحزن إلى لحظة وعي فارقة؛ يعيد توجيه البوصلة الداخلية، ويدفع الإنسان إلى مراجعة اختياراته وعلاقاته وأولوياته، حيث يعلمنا التمييز بين الزائف والأصيل، ويقربنا من ذواتنا الحقيقية، ويمنحنا فرصة لإعادة بناء حياتنا على أسس أكثر وعيًا واتزانًا، كما يفتح الحزن أمامنا مساحة صادقة للمساءلة ماذا نريد حقًا؟ ما أولوياتنا؟ وما الذي يستحق أن نبذل له الجهد والوقت؟ وهي أسئلة تنضج غالبًا في لحظات الصدق مع الذات، وهكذا يكون الحزن بداية فهم أدق للحياة، وبداية أكثر نضجًا وقوة وصدقًا.

ويظل الدعم الخارجي ضرورة إنسانية، فمهما حاول الإنسان أن يبدو قويًا، تبقى حاجته إلى من يسمعه ويشعر به، فالحديث مع شخص موثوق، أو حتى الجلوس بصمت مع من يفهمنا، قد يخفف كثيرًا من وطأة الحزن، ويمنح النفس شعورًا بالأمان لا يعوض، كما أن المشاركة تعيد إلينا توازننا، ومع ذلك، فإن غياب هذا الدعم يمكن للإنسان أن يتعلم كيف يكون هو مصدر الطمأنينة لنفسه؛ بأن يحسن الإصغاء لداخله، ويمنح ذاته قدرًا من الاحتواء والرفق، فالقوة الحقيقية في إدارة حاجاته بوعي واتزان، كما أن الانشغال بما نحب، ولو بأبسط الأمور، يسهم في استعادة التوازن النفسي تدريجيًا وتمنحها استراحة من ثقل المشاعر، وتساعدها على التعامل معها بطريقة أكثر صحة وهدوءًا، وهكذا، يتكامل الدعم الخارجي مع العناية الذاتية، ليشكلا معًا طريقًا آمنًا لعبور الحزن، دون إنكار له ولا استسلامٍ لثقله.

ونؤكد أن الحزن ليس حالة دائمة؛ فهو، كما يأتي، يمضي، ولو بعد حين، غير أن أثره فينا لا يتوقف على حضوره بقدر ما يتوقيحتوي طريقتنا في التعامل معه، فإن استقبلناه بوعي ولطف، وأحسنا الإصغاء لما يحمله من رسائل، خرجنا منه أكثر نضجًا وصلابة، ولابد أن نُذكر أنفسنا دائمًا بحقيقتنا البشرية، فنحن لسنا مطالبين بالكمال، ولا معصومين من الضعف، فلنا أن نشعر، وأن نتعب، وأن نحتاج، دون أن ندين أنفسنا أو ننتقص منها، فكل ذلك ملامح أصيلة في إنسانيتنا، تمنحنا القدرة على الفهم، والتعاطف، والتجدد، ثم نمضي خطوة خطوة نحو التعافي، فكل حزن يفهم، يترك فينا حكمة، وكل ألم يحتوى، يفتح بابًا لنور جديد.