﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾… آيةٌ كريمة كانت العنوان الأصدق والأعمق لمشهدٍ إيمانيٍ مهيب، تجلّت فيه أنوار القرآن الكريم، وتفتحت فيه قلوبٌ طاهرة على مائدة كتاب الله، وذلك خلال الحفل الكبير الذي نظّمه مركز الإمام لتحفيظ القرآن الكريم بقرية التمامة، في لوحةٍ روحانيةٍ لا تُنسى، وعلى أرض ملعب جعفر أرينا، الذي تحوّل في تلك الليلة إلى محرابٍ واسعٍ يتردد فيه صدى الذكر، وتتنزّل فيه السكينة.
بدأت الفعاليات بصوتٍ قرآنيٍ خاشعٍ، حيث تلا فضيلة القارئ الدكتور رمضان سعد خليف، إمام القبلة بالجامع الأزهر الشريف، آياتٍ من الذكر الحكيم، فاهتزت لها القلوب قبل الآذان، وسكنت لها النفوس، وكأن الملائكة قد حفت المكان، تُبارك تلك اللحظات التي يُحتفى فيها بأهل الله وخاصته.
وقد أدار الحفل باقتدارٍ وتميّز الدكتور نصرالله السيد عطيوة، الذي أضفى بحضوره وأسلوبه لمسةً من الرقي والتنظيم، فخرج الحفل في أبهى صورة، تعكس قيمة الحدث وعظمة المناسبة.
وكان من أبرز محطات هذا اللقاء المبارك، كلمة فضيلة الشيخ الدكتور سعيد حامد البوريدي، وكيل وزارة الأوقاف بمحافظة بني سويف، ومدير المديرية، ذلك الرجل الذي يحمل على عاتقه رسالة الدعوة بوعيٍ وإخلاص، ويجسد نموذجًا مشرفًا للعالم الأزهري المستنير. فقد جاءت كلمته عميقةً صادقة، تنبع من قلبٍ عامرٍ بمحبة القرآن، حيث تحدث عن فضل كتاب الله، ومكانة أهله، مؤكدًا أن القرآن ليس مجرد كلماتٍ تُحفظ، بل هو منهج حياةٍ متكامل، يُهذّب النفس، ويقيم السلوك، ويصنع الإنسان القادر على البناء والإصلاح.
ولا يسعنا في هذا المقام إلا أن نُحيي هذا الجهد المبارك الذي يبذله فضيلة الدكتور سعيد حامد البوريدي، بما يعكسه من قيادةٍ واعيةٍ، ورؤيةٍ دعويةٍ مستنيرة، تسعى إلى ترسيخ القيم الدينية الصحيحة، وبناء أجيالٍ تحمل القرآن في صدورها، وتترجمه سلوكًا في حياتها، فكان حضوره إضافةً نوعية، وكلمته نبراسًا يُضيء الطريق لكل من يسير في درب القرآن.
أما أبطال هذا المشهد، فهم أولئك النورانيون… حفظة كتاب الله، الذين سطروا بألسنتهم الطاهرة أعذب الكلمات، وحملوا في صدورهم أعظم رسالة. هؤلاء الصغار في أعمارهم، الكبار في قدرهم، الذين اختارهم الله ليكونوا من أهل القرآن، فهنيئًا لهم هذا الشرف العظيم، وهنيئًا لقلوبهم التي امتلأت بكلام الله، فصاروا نورًا يمشي على الأرض، وبشارة أملٍ لأمةٍ تبحث عن نهضتها في كتاب ربها.
وإننا لنقف إجلالًا وتقديرًا لأهالي قرية التمامة، تلك القرية التي أثبتت أن الخير لا يزال في هذه الأمة، وأن حب القرآن يسكن القلوب الصادقة. فقد كان حضورهم المشرف، وتفاعلهم الصادق، دليلًا على أن المجتمع حين يحتضن القرآن، يزدهر ويعلو، وأن القرى البسيطة قادرة على أن تُنجب عظماء حين تتمسك بالقيم والأصول.
كما لا يمكن أن نغفل الدور العظيم الذي يقوم به أولياء الأمور، أولئك الجنود المجهولون، الذين يسهرون الليالي، ويغرسون في أبنائهم حب القرآن، ويدفعونهم إلى حلقات التحفيظ، رغم مشاغل الحياة وتحدياتها. إنهم بحق شركاء في هذا النجاح، بل هم أساسه، فبصبرهم وتربيتهم، خرجت هذه النماذج المضيئة التي تُبشّر بمستقبلٍ أكثر إشراقًا.
إن ما شهدناه في هذا الحفل ليس مجرد تكريمٍ لحفظة القرآن، بل هو تكريمٌ لقيمةٍ عظيمة، ورسالةٌ واضحة، مفادها أن القرآن سيظل دائمًا هو الحصن الحصين، والطريق القويم، والمنهج الأسمى لبناء الإنسان والمجتمع.
وفي ختام هذا المشهد الإيماني المشرق، تبرز قامة دعوية راسخة، تتمثل في فضيلة الشيخ الدكتور سعيد حامد البوريدي، ذلك الرجل الذي لم يكن حضوره مجرد مشاركةٍ بروتوكولية، بل كان امتدادًا لرسالةٍ عظيمة يحملها على عاتقه، رسالة بناء الإنسان قبل البنيان، وغرس القيم قبل الكلمات. إنه نموذجٌ للعالم العامل، الذي يُدرك أن الدعوة ليست منبرًا يُرتقى، بل مسؤولية تُحمل، وعهدٌ مع الله لا يُنقض.
لقد استطاع، بما يملكه من فكرٍ مستنير، ورؤيةٍ واعية، أن يُعيد للخطاب الديني توازنه، وأن يربط بين أصالة الدين ومتطلبات العصر، فكان حضوره في مثل هذه الفعاليات دعمًا حقيقيًا لمسيرة تحفيظ القرآن، وتشجيعًا صادقًا لكل يدٍ تمتد لخدمة كتاب الله. ولم يقتصر دوره على التوجيه، بل تجاوزه إلى الرعاية والاحتضان، فصار بحقٍ قائدًا دعويًا يُحتذى به، يعمل في صمت، ويؤثر في عمق المجتمع دون ضجيج. إن ما يقدمه فضيلته من جهدٍ دؤوب في خدمة الدعوة، هو في جوهره خدمةٌ للوطن، لأن بناء الإنسان الواعي المستقيم هو الركيزة الأولى في نهضة الأمم، وهو السد المنيع في وجه كل فكرٍ متطرف أو منحرف. ومن هنا، فإن دعمه لحفظة القرآن، ورعايته لمثل هذه النماذج المضيئة، إنما هو استثمارٌ حقيقي في مستقبل الوطن، وصناعةٌ لجيلٍ يحمل في قلبه الإيمان، وفي عقله الوعي، وفي سلوكه الانضباط. وحين يلتقي الإخلاص بالعمل، وتُسقى الجهود بنيةٍ صادقة، فإن رحمات الله لا تتأخر، بل تتنزل على القلوب قبل الأماكن، وعلى الناس قبل الزمان. وهكذا، فإن ما نشهده من اهتمامٍ بأهل القرآن، ورعايةٍ لحفظته، إنما هو بابٌ من أبواب الرحمة الإلهية التي تعمّ البلاد والعباد، وتُظلّل المجتمع بسكينةٍ لا تُشترى، وأمانٍ لا يُصطنع.
فاللهم بارك في كل يدٍ رفعت لواء القرآن، وفي كل قلبٍ احتضن آياته، وفي كل قائدٍ صادقٍ مثل الدكتور سعيد حامد البوريدي، يسعى بإخلاصٍ لرفعة هذا الدين وخدمة هذا الوطن. واجعل أهل القرآن هم أهلك وخاصتك في كل مكان، وأنزل عليهم من رحماتك ما يفيض نورًا وهدايةً وسكينة، لتبقى راية القرآن خفاقة، وتبقى مصرنا الحبيبة آمنةً مطمئنة، بنور كتابك، وجهود المخلصين من أبنائها.