من مقاصد الصوم : تطييب الخواطر

المقال التاسع عشرمن سلسلة : مقالات في الفقه الإسلامي المعاصر
بقلم د : مهدى صالحى

تضفي المقاربة المقاصدية في الضمير الإسلامي برمضان ميزانا دقيقا يحرّر المكلّف الصائم من ضيق الفهوم الظاهرية لطبيعة الشعائر الدينية التي تحوّل الصيام إلى عادات جارية لاتخلو من تلك النزعة الاستهلاكية اللاّمشروعة أوالطقوس الشكلية ممّا يدفع إلى لزوم مراعاة المصالح والمآلات عسى أن تستعيد الثقافة المجتمعية الإسلامية المنظومة القيمية النبوية لتنزيلها في الواقع الإنساني اليوم الذي انحرف عن النفحات الجوهرية لعبادة الصوم إلى حدّ أنه قد أضحى ينزع نزعة احتقارية لمثل هذه الأعمال،وهو مايستوجب رؤية تجديدية تتمثل في إحياء السنن النبوية تنطلق من المقاصد باستجلاء العلل المصلحية التي أنيطت بها ،فإذا كان المدلول الفقهي للمصلحة هو كلّ لذة جسمية وعقلية وروحية ومدلول المفسدة كل أذى وألم نفسي قد يصيب الإنسان فإنّ المدلول الجديد للصيام وفقا لهدا الاعتبار المصلحي هو الكفّ عن كلّ ألم نفسي قد يؤذي أخاه المسلم بما أنه مفسدة كبرى شُرّعت الأحكام لدرءها حيث ثبت عن النبي ﷺ: من آذى مسلما بغير حقّ فكأنّما هدم بيت الله” ويقول ﷺ وهو يتأمل الكعبة:لقد شرّفك الله ،وكرّمك،وعظّمك والمؤمن أعظم حرمة منك”

والأذى في هذا السياق هو مفسدة ومضرّة توجّب درؤها بتجنّب أنواع العنف اللفظي كالسبّ والشتم والطعن واللعن والقول الجارح لأنه يمثّل اعتداءً معنويا على القلوب يتنافى مع قوله ﷺ:المسلم من سلم الناس من لسانه ويده”

وهذه القيم النبوية تؤسس لأبعاد مصلحية للصيام وهي تطييب الخواطر بالكلمة الحسنة والمعاملة اللّينة وإفشاء السلام وإدخال البهجة في النفوس لتزويدها بالطاقات الإيجابية البنائية ذلك لأنّ الجنس البشري في فطرة تكوينه هو كتلة من المشاعر والانفعالات يتأثر بالمسرّات مثلما تؤلمه الشدائد مصداقا لقوله ﷺ:أحبّ الأعمال إلى الله سرور تدخله على قلب مسلم .

ولذلك فإن تطييب الخواطر هو مصلحة ضرورية ومن المقاصد الشرعية القطعية وهي إلى ذلك من شمائل النبوة تنزّلت في معاملاته ﷺ فلمّا قدّم رجلٌ قدح عنب للنبي ﷺ أخذ القدح وبدأ يأكل العنب ،فأكل الأولى ثم تبسّم ثم الثانية وتبسّم،والرجل الفقير يكاد يطير فرحا بذلك والصحابة ينظرون قد اعتادوا أن يشركهم رسول الله ﷺ في كلّ شيء يُهدى له،ورسول الله ﷺ يأكل عنبة عنبة ويبتسم،حتى أنهى القدح والصحابى متعجبون .ففرح الرجل فرحا شديدا وذهب،فسأله أحد الصحابة يارسول الله لمَ لمْ تشركنا معك؟ فتبسم رسول الله ﷺ وقال: قد رأيت فرحته بهذا القدح وإني عندما تذوقته وجدته مُرّا فخشيت إن أشركتكم معي أن يظهر أحدكم شيئا يفسد على ذاك الرجل فرحته.”

ذلك لأنّ كلّ مايذهب فرحة الرجل هو مفسدة تكسر خاطره وتوقعه في دائرة الألم والانكسار الذي يتنافى مع مقاصد الشارع القطعية بما أن الأحكام مشروعة لمصالح العباد والشريعة رحمة كلها وسعادة كلّها،وبما أنّ درء المفاسد مقدّم على جلب المصالح فّإنّ درء الأذى المعنوي مُرجّحٌ على تقديم النفع المادي إذا تبعه أذى وفي ذلك يقول تعالى :قولٌ معروف ومغفرة خيرٌ من صدقة يتبعها أذى “

ويقول ﷺ:من مسح رأس يتيم ،لم يمسحه إلاّلله ،كان له بكلّ شعرة مرّت عليها يده حسنات ،ومن أحسن إلى يتيمة أو يتيم عنده ،كنت أنا وهو في الجنة كهاتين”(رواه أحمد)

إنّ الإحسان في هذا السياق النبوي هو مصلحة ثابتة وهو نقيض الإساءة التي هي مفسدة ومضرّة، وهو إلى ذلك وسيلة إلى مصلحة أخروية تتمثل في تحصيل مرتبة في الجنة،وللإحسان منزلة بليغة تجلّت في تصرّفات النبوة جلبا للمنافع ودرءا للمضارّ وكل مايفضي إلى انكسار النفس وإيلامها هو من المفاسد الكبرى التي دأب  على اتخاذ السبل الكفيلة بدفعها تطييبا للخواطر وبث السرور في النفوس وهي مصلحة تراعيها الشريعة فعن أنس قال:كان رسول الله ﷺ يدخل علينا ،وكان لي أخٌ صغير، وكان له نغر يلعب به،فمات ،فدخل النبي ﷺ ذات يوم فرآه حزينا فقال:ماشأن أبي عُمير حزينا؟ فقالوا:مات نغره الذي كان يلعب به-يارسول الله فقال:”يأأبا عُمير مافعل النُغير؟أبا عمير ،مافعل النغير؟(رواه أحمد)

إن مواساة النبي لأبي عُمير دلالة بيّنة على أنّ خُلق الرحمة من المصالح الشرعية ومن تعاليم التوحيد أي أنها من صميم المشروع الإسلامي ببعديه العقائدي والتشريعي  ذو الطابع الإنساني الشمولي الذي تكشفه مقاصد الشريعة إيقاظا للضمير الإنساني ولبث خيرية الأمة الإسلامية وتحقيقا للصحوة الإسلامية بتحويل تلك الثوابت الأخلاقية إلى منهاج عملي داخل الثقافة المجتمعية تجاوزا للأزمة القيمية لاسيما أن زكاة الفطرة إضافة إلى أنها طهرة للصائم فهي كذلك تنزيلا لمعنى الإنسانية والرحمة النبوية حيث أكد ﷺ:إنّما بعثت رحمة ولم أبعث لعّانا”.