حِمَى الشَّريعةِ.. بَيْنَ أمانةِ التَّخصُّصِ وزَيْفِ المَظاهرِ

بقلم فضيلة الشيخ  : أحمد إسماعيل الفشني

الحمدُ للهِ الذي جَعَلَ العِلْمَ نُوراً يَهتدي بهِ الحائرونَ، ورَفَعَ مَقامَ العلماءِ العامِلينَ الذينَ يَخْشَوْنَ ربَّهم ويَتَّقونَ، والصلاةُ والسلامُ على سيِّدِنا رسولِ اللهِ ﷺ، أفصحِ مَنْ نَطَقَ بالضادِ، ومَنْ أدَّبَهُ ربُّهُ عزَّ وجلَّ فأحسنَ تأديبَهُ بالرشادِ، وعلى آلِ بيتِهِ الأطهارِ، وصحابتِهِ الأخيارِ، ساداتِ الهُدى ومصابيحِ الدُّجى.

أيُّها السادةُ الكرامُ.. إنَّ من أخطرِ ما تُصابُ بهِ الأمةُ في دِينِها وعَقْلِها، أنْ يُسْتَبَاحَ حِمَى العِلْمِ الشريفِ لِكُلِّ غادٍ ورائحٍ، وأنْ يَتَجرَّأَ على الفُتيا مَنْ لم يَرْتَضِ لجامَ التَّخصُّصِ ولم يَثْنِ الرُّكَبَ في مَحاريبِ الطلبِ. فالدِّينُ -أعزَّكم اللهُ- ليسَ “كَلاًّ مُباحاً” لكلِّ مُتحدثٍ، بل هو أمانةٌ ثقيلةٌ، مَنْ تَصَدَّى لها بغيرِ عِلْمٍ فقد ضَلَّ وأَضَلَّ. يقولُ اللهُ عزَّ وجلَّ في كتابِهِ العزيزِ مِعْياراً حاسماً: {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۚ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا} (الإسراء: 36).

أيُّها السادةُ الكرامُ.. إنَّ البعضَ قد يَظُنُّ أنَّ الدِّينَ مَظهرٌ يُحاكى، أو هَيْئةٌ تُتَّخَذُ، فيَكتفي بِلِباسٍ مُعيَّنٍ أو سِمْتٍ ظاهريٍّ لِيَنصِبَ نَفْسَهُ مَرْجعاً للناسِ ومُفتياً في النوازلِ. والحقيقةُ أنَّ الدِّينَ جَوْهرٌ وعِلْمٌ وقِيَمٌ، قبلَ أنْ يكونَ شكلاً أو مَنْظراً. فقد رَوَى الإمامُ مسلمٌ عَنْ سيِّدِنا أبي هريرةَ رضيَ اللهُ عنهُ أنَّ سيِّدَنا رسولَ اللهِ ﷺ قالَ: “إنَّ اللَّهَ لا يَنْظُرُ إلى أجْسامِكُمْ، ولا إلى صُوَرِكُمْ، ولَكِنْ يَنْظُرُ إلى قُلُوبِكُمْ وأَعْمالِكُمْ”. فالشكلُ بلا مَخْبَرٍ جَسَدٌ بلا رُوحٍ، والادِّعاءُ بلا عِلْمٍ جَهْلٌ مُرَكَّبٌ يَهدمُ ولا يَبني.

تأملوا في هذا الموقفِ الذي يُبينُ خُطورةَ “التَّجَرُّؤِ” على الدِّينِ؛ فقد رَوَى الإمامُ أبو داودَ وأحمدُ عن سيِّدِنا جابرِ بنِ عبدِ اللهِ رضيَ اللهُ عنهما، قالَ: خَرَجنا في سَفَرٍ، فأصابَ رجلاً مِنا حَجَرٌ فَشَجَّهُ في رأسِهِ (أيْ جَرَحَهُ جُرحاً غائراً)، ثمَّ احتلمَ، فسألَ أصحابَهُ: هل تَجدونَ لي رُخْصَةً في التيممِ؟ فقالوا: ما نَجِدُ لَكَ رُخصةً وأنتَ تَقْدِرُ على الماءِ! فاغتسلَ فَمَاتَ. فلمَّا قَدِموا على سيِّدِنا رسولِ اللهِ ﷺ أُخْبِرَ بذلكَ، فقالَ غاضباً: “قَتَلُوهُ قَتَلَهُمُ اللَّهُ، ألا سألوا إذْ لَمْ يَعْلَموا؟ فإنَّما شِفاءُ العِيِّ السُّؤالُ”. فانظروا كَيْفَ جَعَلَ ﷺ الفُتيا بغيرِ عِلْمٍ سَبباً في الهلاكِ!

أيُّها السادةُ الكرامُ.. لقد كانَ ساداتُنا الصحابةُ وأهلُ البصائرِ يَتدافعونَ الفُتيا تَهيُّباً وإجلالاً لِمَقامِ الحقِّ؛ فهذا سَيِّدُنا الإمامُ مالكٌ رحمهُ اللهُ، إمامُ دارِ الهجرةِ، كانَ يُسألُ عن أربعينَ مَسألةً، فيُجيبُ في أربعٍ ويقولُ في الباقي: “لا أدري”. وكانَ يقولُ: “مَنْ أحبَّ أنْ يُجيبَ عن مَسألةٍ فَلْيَعْرِضْ نَفْسَهُ على الجنةِ والنارِ، وكيفَ يكونُ خلاصُهُ في الآخرةِ؟!”.

فأينَ هذا الورَعُ مِمَّنْ يَمْلأُ الفضاءَ ضجيجاً اليومَ بغيرِ بَصيرةٍ؟ إنَّ العِلْمَ رَحِمٌ بَيْنَ أهْلِهِ، والتَّخصُّصَ في الشريعةِ لا يَقِلُّ أهميةً عن التَّخصُّصِ في الطبِّ والهندسةِ، بل هو أَولى؛ لأنَّ الطبيبَ يُداوي الأبدانَ، والعَالِمَ يُداوي الأديانَ.

وقد قيلَ في حُرمةِ التَّجَرُّؤِ على الدِّينِ:

تَصَدَّرَ لِلتَّدريسِ كُلُّ مُهَوِّسٍ ** بَليدٍ تَسَمَّى بالفَقيهِ المُدَرِّسِ

فَحَقٌّ لِأهلِ العِلْمِ أنْ يَتمثلوا ** ببيْتٍ قديمٍ شَاعَ في كُلِّ مَجْلِسِ

لَقَدْ هُزِلَتْ حتى بَدَا مِنْ هُزَالِها ** كُلاها وحتى سَامَها كُلُّ مُفْلِسِ

أيُّها السادةُ الكرامُ.. حتى نَحفظَ دِينَنا من دَخَلِ الأدعياءِ، إليكم هذهِ “الخلاصاتِ النافعةِ”:

 * الرجوعُ لأهلِ الذِّكْرِ: لا تأخذْ دِينَكَ إلا عَمَّنْ عُرِفَ بالعِلْمِ والاستقامةِ والأمانةِ، وشَهِدَ لَهُ أهلُ التَّخصُّصِ (كالأزهرِ الشريفِ).

 * التَّمييزُ بَيْنَ الشَّكْلِ والجَوْهرِ: لا يَغُرَّنَّكَ لِسانٌ بليغٌ أو هَيْئةٌ مَهيبةٌ ما لَمْ تكنْ مَبنيةً على قواعدِ العِلْمِ الرَّصينِ.

 * أدبُ “لا أدري”: تَعَلَّمْ أنْ تَقولَها فيما لا تَعرفُ، وحَثَّ مَنْ حولَكَ على احترامِ التَّخصُّصِ الدقيقِ.

 * الحذرُ من “فتاوى الفضاءِ”: ليسَ كُلُّ ما يُنشَرُ في وسائِلِ التَّواصلِ دِيناً، بل كَثيرٌ منهُ سُمومٌ في ثِيابِ نَصائحَ.

إنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ سائلٌ كُلَّ مُتكلمٍ عمَّا قالَ، وكُلَّ مُسْتَمِعٍ عمَّا صَدَّقَ، فَلْنَتَّقِ اللهَ في شريعتِهِ وفي عقولِ الناسِ.

واللهُ أعلمُ، وباللهِ تعالى التوفيقُ والسدادُ.