الماسونية بين التاريخ والأسطورة والواقع السياسي
11 مارس، 2026
الماسونية والجمعيات الصهيونية

بقلم الكاتب و الأديب السوري: محمد نجيب نبهان
تُعدّ الماسونية من أكثر الظواهر الاجتماعية والسياسية التي أثارت الجدل في التاريخ الحديث، إذ تداخلت حولها الروايات التاريخية الموثقة مع الأساطير الشعبية ونظريات المؤامرة، حتى أصبحت كلمة “الماسونية” في الوعي العام رمزًا لغموضٍ واسع يمتد من الجمعيات الأخوية المغلقة إلى شبكات النفوذ السياسي العالمي. هذا الغموض لم ينشأ من فراغ، بل تشكل عبر قرون من التحولات التاريخية والرمزية والجدالات الفكرية والدينية التي أحاطت بهذه الحركة منذ ظهورها في أوروبا وحتى انتشارها في بقية أنحاء العالم. ولذلك فإن دراسة الماسونية تقتضي النظر إليها من زوايا متعددة تتداخل فيها الجذور التاريخية مع البنية التنظيمية والرمزية، كما تتشابك فيها الأسئلة المتعلقة بالدور السياسي والاجتماعي للنخب المنظمة مع الصورة الأسطورية التي صنعتها المخيلة الشعبية حول هذه الحركة.
تشير معظم الدراسات التاريخية إلى أن الماسونية الحديثة ظهرت في أوروبا خلال الفترة الانتقالية بين القرنين السابع عشر والثامن عشر، وهي الفترة التي شهدت تحولات فكرية وسياسية عميقة في القارة الأوروبية، من بينها صعود أفكار التنوير وتراجع السلطة المطلقة للكنيسة وظهور الطبقات البرجوازية الصاعدة. في هذا السياق تشكلت في بريطانيا أول المحافل الماسونية المنظمة، حيث اجتمعت عدة جمعيات أخوية في لندن عام 1717 لتؤسس ما عرف بالمحفل الماسوني الأكبر، وهو الحدث الذي يُعدّ نقطة البداية الرسمية لما يسمى بالماسونية الحديثة. غير أن جذور هذه الجمعيات تعود إلى فترة أقدم بكثير، إذ ارتبطت في بداياتها بنقابات البنائين الذين كانوا يعملون في تشييد الكاتدرائيات والقلاع في أوروبا خلال العصور الوسطى. كان هؤلاء البناؤون يشكلون نقابات مهنية مغلقة نسبيًا، لها طقوسها الخاصة وشعاراتها وأسرارها المهنية التي تنتقل بين الأعضاء. ومع مرور الزمن، ومع تراجع دور النقابات الحرفية التقليدية، بدأت هذه الجمعيات تتحول تدريجيًا من تجمعات مهنية إلى جمعيات رمزية وفلسفية تستقطب شخصيات من خارج مهنة البناء، مثل النبلاء والمفكرين والعلماء والتجار.
هذا التحول أدى إلى نشوء ما يسمى بالماسونية الرمزية، حيث لم تعد أدوات البناء تُستخدم في معناها الحرفي بل أصبحت رموزًا أخلاقية وفلسفية تعبر عن مفاهيم مثل الاستقامة والعدل والتوازن وبناء الإنسان لنفسه كما يبني المعماري صرحًا متقنًا. ومن هنا ظهرت الرموز الشهيرة المرتبطة بالماسونية مثل الفرجار والزاوية والميزان والحجر الخام والحجر المصقول، وهي رموز تحمل معاني تربوية تتعلق بتهذيب النفس الإنسانية والسعي إلى الكمال الأخلاقي. كما اعتمدت المحافل الماسونية على طقوس احتفالية خاصة تُقام داخل قاعات مغلقة تسمى “المحافل”، حيث يخضع العضو الجديد لدرجات رمزية تعكس مراحل التدرج في المعرفة والانتماء. وقد ساهم هذا الطابع الطقوسي المغلق في تعزيز الغموض الذي يحيط بالماسونية، إذ إن كثيرًا من تفاصيل هذه الطقوس لم تكن متاحة للعامة، الأمر الذي فتح الباب أمام الخيال الشعبي لنسج روايات عديدة حول طبيعة هذه الاجتماعات وما يجري داخلها.
ومع انتشار أفكار التنوير في أوروبا خلال القرن الثامن عشر أصبحت المحافل الماسونية فضاءات للنقاش الفكري بين النخب المثقفة، حيث اجتمع فيها مفكرون وسياسيون كانوا يبحثون عن بدائل للأنظمة الملكية المطلقة وعن نماذج جديدة لتنظيم المجتمع تقوم على مفاهيم الحرية والمساواة والأخوة. وقد أدى هذا الدور الفكري إلى ارتباط الماسونية في بعض الدراسات التاريخية بحركات الإصلاح السياسي التي شهدتها أوروبا وأمريكا خلال تلك الفترة، مثل الثورات الدستورية التي سعت إلى تقليص سلطة الملوك وإقامة نظم حكم قائمة على التمثيل الشعبي. غير أن تقييم هذا الدور يظل محل خلاف بين الباحثين؛ فبعضهم يرى أن المحافل الماسونية ساهمت بالفعل في نشر أفكار التنوير، بينما يرى آخرون أن هذه المحافل كانت في الأساس تجمعات اجتماعية للنخب، وأن تأثيرها السياسي كان محدودًا أو غير مباشر.
في الوقت نفسه بدأت الكنيسة الكاثوليكية تنظر إلى الماسونية بعين الريبة، خاصة بسبب الطابع غير الطائفي لهذه الجمعيات، إذ كانت المحافل تقبل أعضاء من خلفيات دينية مختلفة وتتبنى خطابًا أخلاقيًا عامًا لا يخضع لسلطة الكنيسة. هذا الأمر اعتبرته الكنيسة تهديدًا لنفوذها الروحي، ولذلك صدرت منذ القرن الثامن عشر عدة مراسيم بابوية تحرم الانضمام إلى المحافل الماسونية وتعتبرها تنظيمًا معاديًا للعقيدة المسيحية. كما قامت بعض الأنظمة الملكية المحافظة بحظر نشاط الماسونية خوفًا من تحولها إلى منصة للتآمر السياسي. هذا الصراع بين الماسونية والسلطات الدينية والسياسية أسهم بشكل كبير في ترسيخ صورة الماسونية كتنظيم سري يعمل في الظل، وهي الصورة التي سترافقها في الوعي العام لقرون لاحقة.
ومع توسع الإمبراطوريات الأوروبية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر انتقلت المحافل الماسونية إلى مناطق عديدة خارج أوروبا، بما في ذلك الأمريكيتان والهند والشرق الأوسط. ففي الولايات المتحدة على سبيل المثال انضم عدد من الآباء المؤسسين للدولة الجديدة إلى المحافل الماسونية، الأمر الذي عزز الاعتقاد بأن لهذه الحركة دورًا في تشكيل النظام السياسي الأمريكي. أما في الشرق الأوسط فقد ظهرت المحافل الماسونية في مدن مثل القاهرة وبيروت وإسطنبول خلال القرن التاسع عشر، وغالبًا ما كانت هذه المحافل تضم مزيجًا من الأوروبيين المقيمين في المنطقة ومن المثقفين المحليين الذين تأثروا بالأفكار الحديثة القادمة من أوروبا. بالنسبة لبعض هؤلاء المثقفين كانت الماسونية فضاءً للتفاعل الثقافي وتبادل الأفكار حول الإصلاح السياسي والاجتماعي، بينما نظر إليها آخرون باعتبارها امتدادًا للنفوذ الأوروبي في المنطقة.
ومع مرور الزمن تزايدت الروايات التي تتحدث عن دور خفي للماسونية في توجيه الأحداث السياسية العالمية. فقد ظهرت في أوروبا خلال القرن التاسع عشر نصوص دعائية تتهم الماسونية بالتخطيط لإسقاط الملكيات ونشر الثورات، كما ظهرت لاحقًا روايات تربطها بمشاريع الهيمنة الاقتصادية العالمية. وفي بعض الخطابات السياسية في العالم العربي والإسلامي جرى تصوير الماسونية باعتبارها جزءًا من شبكة مؤامرات عالمية تهدف إلى تفكيك المجتمعات الدينية وإضعاف الهويات الثقافية. غير أن كثيرًا من المؤرخين المعاصرين يرون أن هذه التصورات تميل إلى المبالغة، لأن الماسونية في واقعها التنظيمي ليست هيئة مركزية موحدة تتحكم في جميع المحافل، بل هي شبكة واسعة من الجمعيات المستقلة التي تختلف في توجهاتها وأهدافها من بلد إلى آخر.
ورغم ذلك لا يمكن إنكار أن المحافل الماسونية شكلت عبر التاريخ نوعًا من شبكات النخبة التي تجمع بين شخصيات ذات نفوذ سياسي واقتصادي وثقافي. ومن المعروف أن العلاقات الشخصية والروابط الاجتماعية بين أصحاب السلطة تلعب دورًا مهمًا في تشكيل السياسات العامة وفي بناء التحالفات الدولية. لذلك فإن دراسة الماسونية من منظور علم الاجتماع السياسي تكشف عن ظاهرة أوسع تتعلق بكيفية تشكل شبكات النفوذ بين النخب في المجتمعات الحديثة. فالتاريخ السياسي لم يكن يومًا مجرد صراع بين دول ومؤسسات رسمية، بل كان أيضًا نتاجًا للعلاقات غير الرسمية التي تنشأ بين الأفراد داخل الدوائر المغلقة للنخب الحاكمة.
وهكذا تتداخل في قصة الماسونية ثلاثة عوالم مختلفة: عالم التاريخ الذي يسجل نشأتها وتطورها بوصفها جمعيات أخوية نشأت في أوروبا وانتشرت مع توسع العالم الحديث، وعالم الأسطورة الذي صنعته المخيلة الشعبية عبر قصص عن تنظيمات سرية تتحكم في مصير العالم، ثم عالم السياسة الواقعية الذي يعترف بوجود شبكات نفوذ نخبوية قادرة على التأثير في القرار السياسي دون أن تكون بالضرورة مؤامرة عالمية شاملة. إن فهم هذه الحركة يقتضي إذن قراءة نقدية تميز بين الوقائع التاريخية المثبتة وبين التصورات الأسطورية التي تضخم دورها، لأن التاريخ الإنساني في حقيقته أكثر تعقيدًا من أن تختصره رواية واحدة أو تفسير واحد، والماسونية ليست استثناءً من هذه القاعدة، بل هي مثال واضح على الكيفية التي يمكن أن تتحول بها ظاهرة اجتماعية محددة إلى رمز عالمي تتقاطع فيه السياسة والفكر والأسطورة.