توجيهات القرآن الكريم تدعو إلى بناء الإنسان من الداخل قلبه ومشاعره وإرادته قال تعالى( إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرً) ( الإسراء 9) فلقد حظي الإنسان بالجانب الأكبر من إهتمام القرآن الكريم عقيدةً وشريعةً ومنهجاً وأخلاقا . أما عن الجانب الأخلاقي : فلقد عُني القرآن بهذا الجانب كثيراً فلقد جعل الله تعالى نبينا الكريم هو النموذج الذي يُحتذي به في هذا الجانب فخاطبه بقوله ( وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ) ( القلم 4) وقال صلى الله عليه وسلم عن نفسه :(إنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الأَخْلَاقِ) ، بل إستنكر القرآن من أن يكون الإنسان غليظ القلب لأن المجتمع ينفر من هذا النوع من الناس قال تعالى( فَبِمَا رَحۡمَةࣲ مِّنَ ٱللَّهِ لِنتَ لَهُمۡۖ وَلَوۡ كُنتَ فَظًّا غَلِیظَ ٱلۡقَلۡبِ لَٱنفَضُّوا۟ مِنۡ حَوۡلِكَۖ) ( آل عمران 159) فالبناء الأخلاقي للإنسان المنبثق من القرآن الكريم يزرع في الشخصية المؤمنة أرقي أنواع القيم وأرفع الأخلاق في كل شيء ومع كل الناس والمخلوقات . أما في الجانب النفسي : فلقد حث القرآن الإنسان إلي السعي لتحقيق قيم نفسية عديدة ومن أهمها كرامة النفس البشريه وشعورها بالمسؤلية قال تعالى ( إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا ) ( الأحزاب 72 )فإذا خلت النفس الإنسانية من الشعور بالمسؤلية تقاعست عن أداء الواجبات فصارت بذلك أبعد عن الخير وأقرب إلى الشر . أما الجانب الفكري: فهو من أهم الجوانب في بناء الإنسان لأن الإنسان أسير لفكره وتصوراته حيث أنه محاط بمذاهب وتيارات منحرفة شتي تبعده عن الصراط المستقيم لذا فالقرآن يدعو الإنسان إلي إعمال العقل والتفكير فبناه بناءاً عقلياً محكماً متقناً لا يقبل شيئاً في عقيدته إلا بالحجة والدليل قال تعالى (أَإِلَٰهٌ مَّعَ اللَّهِ ۚ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ) ( النمل 64) وقد أمر الله عباده بالتفكر والتدبر في آياته وسننه الكونية قال تعالى( قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّه يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآَخِرَةَ إِنَّ اللَّه عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (العنكبوت 20) وقال سبحانه أيضاً ( أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ وَإِلَى السَّمَاء كَيْفَ رُفِعَتْ وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ) ( الغاشية 17 :20) . أما في الجانب الروحي: فالروح هي الوجود الحقيقي للإنسان ولابد من تربيتها وتهذيبها فالقرآن يشدد على جوانب المقاومة والخوف منه سبحانه وأن يكون الإنسان دائما علي حذر من إرتكاب المعاصي وإستشعار نفسه الخوف من الله دائما فإنه إن كان لا يرى الله فإن الله يراه فهو يبني الإنسان بناءاً روحياً خاصاً لا يحصره في شهوات ورغبات الجسد قال تعالى (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً) ( الإسراء 85) هذه التوجيهات القرآنية أوجدت بين المسلمين درجة من الاعتدال والتوازن لايوجد لها نظير في أي بقعة من بقاع العالم لقد علّمت المسلمين أن يواجهوا صعاب الحياة وهذا ما يطلبه الإسلام فإن الإنسان محترم في الشريعة مادام يسير على المنهج الرباني وإذا إنحرف عنه فإنه يفقد هذه الفضيلة فغرض القرآن هو تنمية الإنسان روحياً بالتضرع والخوف منه سبحانه وإذا وجدنا في مجتمعنا نوعاً من التخلف أو فساداً في الأخلاق فما ذاك إلا لضعف الإيمان فينا واختلال العقيدة عند الكثيرين منا وضعف أثر الدين على النفوس ، وأخيراً نقول إن حاجة الإنسان اليوم إلي البناء المتكامل والاهتمام ببناءه أولي من أي بناء آخر وذلك من خلال إبراز دور مقاصد القرآن و السنة وأثرها في بناء الشخصية الإنسانية المسلمة قال صلى الله عليه وسلم:(تركتُ فيكم أَمْرَيْنِ لن تَضِلُّوا ما تَمَسَّكْتُمْ بهما : كتابَ اللهِ وسُنَّتي) . وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .