
بقلم حسن محمود حفني الباحث والكاتب في علم التصوف الإسلامي
سلسلة ألفية التوحيد في علم التصوف المقال الثاني
في المقال الأول من «ألفية التوحيد في علم التصوف» كان الحديث عن التوحيد باعتباره بناءً كاملًا للإنسان لا مجرد قضية نظرية أو تعريف عقدي يُحفَظ ويُردَّد وكيف أن التوحيد الحقيقي ينتقل من دائرة العلم إلى دائرة العمل ثم يستقر حالًا في القلب حتى يعيد تشكيل علاقة الإنسان بربه وبنفسه وبالناس.
ومن هنا تبدأ المرحلة الأخطر في الطريق لأن الإنسان بعد أن يفهم معنى التوحيد يبدأ في اكتشاف العوائق الخفية التي تمنعه من تحقيقه في داخله وهنا ندخل إلى واحدة من أعمق القضايا التربوية التي يناقشها مشروع «بِنية الإنسان» وهي قضية التعلقات التي تسكن القلب دون أن ينتبه الإنسان إلى أثرها الحقيقي عليه.
قال الله تعالى
﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾
[الزمر: 67]
وقال سبحانه وتعالى
﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ﴾
[الجاثية: 23]
وفي الصحيح أن النبي ﷺ قال
«تَعِسَ عبدُ الدينارِ وتَعِسَ عبدُ الدرهمِ وتَعِسَ عبدُ الخميصة»
رواه الإمام البخاري رحمه الله.
ومما تناقله أهل التربية والسلوك في مدرسة الإمام أحمد الرفاعي رضي الله عنه قوله
«اقطع العلائق يصفُ لك الطريق»
ومن المعاني التربوية المأثورة عند السادة الرفاعية عنه رضي الله عنه
«كل شيء شغلك عن الله فهو عليك لا لك»
والمشكلة أن كثيرًا من الناس يظنون أن الشرك معناه السجود لصنم ظاهر فحسب مع أن أخطر الأصنام قد تكون كامنة داخل الإنسان نفسه صنم الصورة وصنم القبول وصنم الخوف وصنم السيطرة وصنم التعلق وصنم النفس حين ترتدي ثوب التدين.
فالقرآن الكريم لم يكن يهز الإنسان من الخارج فقط بل كان يوقظه من الداخل لأن القضية في أصلها ليست مجرد صورة عبادة وإنما سؤال يتعلق بحقيقة القلب إلى من يتجه فعلًا وممَّ يخاف أكثر وما الشيء الذي إذا فقده انهار الإنسان بسببه.
وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية للتوحيد :
وقد أدرك السادة العارفون بالله رضي الله عنهم أن النفس شديدة الذكاء فقد تترك الحرام الواضح لكنها تقع في تعلقات أخفى وأعمق كتعلقها بالثناء أو بالمكانة أو بصورة الإنسان عن نفسه أو حتى بصورة الصلاح نفسها.
قال الإمام الحارث المحاسبي رحمه الله
«ما صدق عبدٌ في التوحيد حتى يخرج الخلق من قلبه»
كما ورد معناه في كتاب الرعاية لحقوق الله.
والمقصود ليس كراهية الناس أو الانعزال عن الحياة وإنما ألا يتحول الناس داخل قلب الإنسان إلى سلطة تتحكم في صدقه وقراراته وعلاقته بالله.
ولهذا قد يصلي الإنسان لله بينما قلبه ينتظر نظرة إعجاب من الناس ويتحدث عن الإخلاص وهو متعلق بصورة المخلص ويتكلم عن الزهد وهو متعلق بصورة الزاهد وهذه من أخطر المراحل لأن الإنسان قد يخدع نفسه وهو يظن أنه اقترب.
وقد نُقل عن الإمام أبو يزيد البسطامي رحمه الله قوله
«رب معصية أورثت ذلًا وانكسارًا خير من طاعة أورثت عزًا واستكبارًا»
كما ورد في الرسالة القشيرية للإمام أبي القاسم القشيري رحمه الله.
وهنا تظهر واحدة من أعظم القضايا التربوية في السير إلى الله فالمشكلة ليست دائمًا في الذنب نفسه بل قد تكون في الإحساس بالنفس بعد الطاعة حين تتحول العبادة من باب افتقار إلى باب خفي من أبواب العجب.
ولهذا تعب كثير من الناس نفسيًا رغم نجاحهم الظاهري لأن قلوبهم أصبحت متعلقة بأشياء أكبر من طاقتهم بصورة يحاولون الحفاظ عليها أو قبول يسعون لاكتسابه باستمرار أو خوف دائم من السقوط أو مقارنة لا تنتهي مع الآخرين.
وهذا ما يحاول مشروع «بِنية الإنسان» لفت النظر إليه أن أزمة الإنسان الحديثة ليست دائمًا في قلة المعلومات بل قد تكون في امتلاء القلب بأشياء تستنزفه دون أن يشعر.
وقد فتحت وسائل التواصل الحديثة بابًا واسعًا للتعلقات الخفية فأصبح بعض الناس يقيس قيمته بعدد الإعجابات ويستمد راحته من نظرة الآخرين ويحزن إذا غاب الاهتمام عنه وكلها إشارات دقيقة إلى أن القلب يُسحب بالتدريج بعيدًا عن مقام التوحيد الحقيقي.
وقد يحفظ الإنسان كلامًا كثيرًا عن التوحيد لكن أول ما يختفي السبب ينهار وأول ما تتغير الناس يتغير وأول ما تضيق الدنيا يختنق لأن التوحيد لم يصل بعد إلى عمق القلب.
وقال ابن عطاء الله السكندري رضي الله عنه
«أرح نفسك من التدبير فما قام به غيرك عنك لا تقم به لنفسك»
كما ورد في الحكم العطائية.
والمقصود ليس ترك الأخذ بالأسباب بل تحرير القلب من الاستنزاف الدائم والخوف المرضي والتعلق المرهق بالأشياء.
فالتوحيد الحقيقي ليس أن يترك الإنسان الدنيا وإنما ألا تسكن الدنيا داخله وأن يمسك الأشياء بيده دون أن يتركها تمسك قلبه.
ولهذا كان السادة الصوفية رضي الله عنهم يربّون الإنسان على المراقبة المستمرة لنفسه فيسأل قلبه دائمًا هل أفعل هذا لله فعلًا أم من أجل صورتي وهل حزني لله أم على نفسي وهل خوفي من الله أم على مكاني عند الناس.
مجلة روح الاسلام فيض المعارف