عمر بن الخطاب وبناء نسق الدولة الراشدة

سلسلة مقالات “الفتنة الكبرى وأثرها في الوعي الجمعي الإسلامي الجزء الرابع “

 بقلم / د. بدر الفيومي

دكتوراه فى الفلسفة والفكر العربى والاسلامى المعاصر

ولما عهد أبو بكر بالخلافة إلى عمر رضي الله عنه، لم يكن ذلك إقصاءً لأحد، ولا تأسيسًا لسلطة مغلقة، كما يحاول بعض المشككين أن يلمحوا، بل كان امتدادًا طبيعيًا لنهج الجماعة في تقديم الأصلح والأقدر. ولذلك قبل المسلمون هذا العهد، وبايعوا عمر، لأنهم رأوا فيه الكفاية، والعدل، والقوة، والبصيرة. ومن هنا فإن من يقرأ هذا الاستخلاف بعين المجدفين الحاقدين لا يفهم طبيعة الجماعة الأولى، ولا يدرك أن الشرعية آنذاك لم تكن مجرد إجراء، بل كانت ثمرة ثقة متبادلة، ووعي جماعي متين، وشعور عميق بأن الأمة لا بد لها من من يحفظها من التفكك.

ثم إذا ما انتقلنا إلى خلافة عمر رضي الله عنه، وجدنا طورًا آخر من أطوار التأسيس؛ طورًا لا يكتفي بحماية الجماعة، بل ينقلها إلى مستوى الدولة الراشدة ذات البنية المحكمة.

وهنا يجب أن نتجاوز الصورة الوعظية المختصرة لعمر بوصفه فقط رمزًا للعدل، مع أن ذلك صحيح، إلى صورته الأوسع بوصفه باني نسق سياسي وإداري متماسك، استطاع أن يجمع بين التوسع العسكري والانضباط المؤسسي، بين هيبة الدولة ورقابة الضمير، بين الشدة في الحق والرحمة بالرعية.

لقد كان عمر شديد اليقظة، بعيد النظر، حاد الإحساس بخطر الانفلات. وكان يعرف أن الدولة إذا اتسعت من غير ضبط، تحولت قوتها إلى عبء عليها. ومن هنا جاءت مراقبته للولاة، وإحاطته بمراكز القرار، واستبقاؤه لكبار الصحابة قريبين منه، وتدبيره للمال والجند والقضاء، وتتبعه لأحوال الرعية في الأمصار. وهذا كله يكشف أن الخلافة الراشدة لم تكن مجرد تدين أخلاقي جميل، بل كانت أيضًا بناءً سياسيًا واعيًا بآلياته وحدوده، الأمر الذي يرد على أولئك المثاقفين الذين يتحدثون عن الصدر الأول وكأنه فضاء روحي ساذج، خال من الحس السياسي ومن فقه الدولة.

واغتيال عمر رضي الله عنه، في هذا السياق، لا يجوز أن يُقرأ بوصفه حادثة جنائية معزولة فحسب، بل يجب أن يُقرأ كذلك في ضوء ما مثله الرجل من كسر لموازين قديمة، وتحويل الإسلام إلى قوة عالمية صاعدة. لا ينبغي أن نغرق في نظريات المؤامرة، لكن من السذاجة كذلك أن نتجاهل أن الحقد على الإسلام كان يتعاظم كلما تعاظم ظهوره.

ومن ثم فإن مقتل عمر يشير، في أحد أبعاده، إلى أن نجاح الدولة الراشدة نفسها كان قد بدأ يستثير ردود فعل عنيفة من الأغيار والمتربصين.

الحقد المجوسي على عزة الإسلام كان سببًا في مقتل عمر بن الخطاب :

لما تولى عمر رضي الله عنه الخلافة، دخلت الدولة في مرحلة من أعظم مراحل البناء والتمكين. ففي عهده اتسعت الفتوح، وانكسرت شوكة الإمبراطوريتين الكبيرتين، وامتد سلطان الإسلام شرقًا وغربًا. غير أن هذه القوة لم تكن مجرد توسع عسكري، بل كانت كذلك اتساعًا في معنى العدل، وحسنًا في إدارة الدولة، وتشديدًا في مراقبة الولاة، وعناية دقيقة بأحوال الرعية. وهذا هو الأمر الذي لا يلتفت إليه المجتزئون؛ لأنهم لا يرون من التاريخ إلا العناوين الصاخبة، أما البنية العميقة للدولة، فلا تمر في حسابهم إلا عابرًا. وكان عمر رضي الله عنه صاحب عين فاحصة، لا يترك الأمور تجري بلا متابعة، ولا يسمح للفوضى أن تنمو في الأطراف البعيدة عن مركز القرار.

وقد حفظت لنا الأخبار صورًا كثيرة من يقظته، وعدله، وحرصه على مشاورة كبار الصحابة، الأمر الذي يدل على أن عهده لم يكن عهد بطش أجوف كما يصوره بعض المتأولين، بل كان عهد دولة متماسكة، ذات نهج واضح، وهيبة قائمة على العدل والانضباط. ومن أعمق ما ورد في هذا الباب حديث حذيفة رضي الله عنه في الفتنة، حين سأل عمر عن الفتنة التي تموج كموج البحر، فأخبره حذيفة أن بينه وبينها بابًا مغلقًا، وكان ذلك الباب هو عمر نفسه. وهذه الرواية تكشف عن حقيقة بالغة الدلالة، وهي أن وجود عمر في قيادة الأمة كان بمثابة الحاجز الذي يكبح كثيرًا من دواعي الاضطراب، فلما كُسر هذا الباب باغتياله بدأت مرحلة جديدة من التصدع. وهنا نجد أن التاريخ لا يتحرك بالأشخاص وحدهم، لكنه في بعض لحظاته الكبرى ينعقد في أشخاص بعينهم، حتى يكون غيابهم فتحًا لباب لم يكن الناس يتصورون سعته.

ولما قتل أبو لؤلؤة المجوسي عمر رضي الله عنه، لم يكن ذلك حادثًا عابرًا مجردًا، بل كان علامة على الحقد الكامن في نفوس من رأوا في صعود الإسلام سقوطًا لمجدهم القديم. ولهذا فإن مقتل عمر لا ينبغي أن يُقرأ قراءة فردية ضيقة، بل لا بد أن يُقرأ ضمن السياق الحضاري والسياسي الذي أحاط به. فقد كان الرجل رمزًا لقوة الإسلام وعدله وهيبته، الأمر الذي جعل استهدافه رسالة تتجاوز شخصه إلى ما مثله من معنى، وناهيك بذلك من دلالة على شدة الأثر الذي صنعه في زمانه.