الحج بين العبادة والوعي… كيف صنع الإسلام من الشعيرة مشروعًا لإصلاح الإنسان والمجتمع

بقلم الشيخ: الشاذلي حجاج عبد الباسط العبادي
عضو الإدارة المركزية لشئون المساجد والقرآن الكريم بديوان عام وزارة الأوقاف

عندما نتأمل هذا الركن نجد أنه مؤتمر تربوي عالمي يعيد تشكيل الوعي والسلوك، ويصنع إنسانا يعرف قيمة نفسه، وحرمة غيره، وقداسة المجتمع والوطن الذي يعيش فيه، ولهذا جاءت خطبة سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع إعلانا عالميا لتصحيح الثقافات المنحرفة، وبناء لمنظومة أخلاقية تحفظ الإنسان في دمه وماله وعرضه، فقال:(إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا في بلدكم هذا)

ولم يكن هذا الحديث مجرد بيان فقهي، بل كان منهجا حضاريا لتغيير العقول والسلوكيات؛ لأن سيدنا النبي جعل هذه الأصول الثلاثة الدماء، والأموال، والأعراض، عناوين كبرى تندرج تحتها ثقافات كثيرة، فإذا صلحت صلح المجتمع، وإذا فقدت فسدت الحياة، وهذه عنوانات صناعة الإنسان وزيادة العمران وبناء الحضارات وفي محاولة مني لذكر بعض ما يندرج تحت كل عنوان مما ذكر في حديث سيدنا النبي أسطر منها جزيئات على سبيل الإجمال والتمثيل لا الحصر والتعين… فحرمة الأموال ليست فقط منع السرقة، بل هي بناء ثقافة اقتصادية نظيفة يدخل تحتها تحريم الإسراف والتبذير، ومحاربة الرشوة، ومنع الغش والاحتكار، والحفاظ على الممتلكات العامة، وعدم جعل المال غاية للحياة، وتحريم استخدامه في الحرام، أو جمعه من طريق غير مشروع، مع ترسيخ ثقافة العمل والإنتاج والتكافل.

وحرمة الدماء لا تعني فقط منع القتل، بل تعني صيانة الإنسان كاملا؛ نفسا وجسدا وروحافيدخل تحتها الحفاظ على النفس مما يوصلها إلى الانتحار من قنوط أو يأس أو وهن، وصون الجوارح من الهلاك، ومحاربة الإدمان بكل صوره، ورفض تجارة الأعضاء والاعتداء على الأجساد، والتوعية بالسلوكيات الصحية الخاطئة التي تهلك الإنسان ببطء، لأن الجسد أمانة، فالإسلام لا يريد إنسانا حيا فقط، بل يريد إنسانا سليما آمنا كريما نافعا.

أما الأعراض، فهي عنوان طهارة المجتمع وأمنه النفسي والأخلاقي؛ فيدخل تحتها تحريم التحرش، والتنمر، والسخرية، والتشهير، والابتزاز، ونشر الشائعات، وتتبع العورات، وانتهاك الخصوصيات، وإفساد البيوت عبر الكلمة أو الصورة أو الوسائط الحديثة.

فكم من إنسان جرح عرضه بكلمة! وكم من أسرة هُدمت بسبب ثقافة الاستهانة بكرامة الناس!

ومن هنا نفهم أن الحج مدرسة لتغيير الثقافات لا لمجرد أداء الشعائر؛ ففيه يتعلم الإنسان النظام، واحترام الدور، والنظافة، وضبط اللسان، والصبر، وتحمل الآخر، والمحافظة على الحقوق العامة، حتى يعود المسلم من الحج أكثرَ وعيا بحقوق الله وحقوق العباد.

نسأل الله الفهم وحسن الطاعة