مراجعات في الموقف الإنساني: من الحياد الصامت إلى الشهادة للحق


بقلم : د. تاليا عراوي عضو المجلس العالمي للأخلاقيات الطبية الإسلامية وناشطة في مجال حقوق الإنسان

“كل إنسان مسؤول عن كل شيء، أمام الجميع، وأنا المسؤول الأول”… بضع كلمات خطّها الروائي الروسي دوستويفسكي في روايته العظيمة الإخوة كارامازوف، لم تكن مجرد سطر عابر، بل صرخةً لانتشال الروح من غيبوبة الحياد. يضعنا هذا المنظور أمام حقيقة موحشة: إن ضياع البوصلة الأخلاقية لا يبدأ بالشر الواضح، بل ينمو في تلك الفجوة الصغيرة بين ما نعرفه وما نجرؤ على قوله، وبين طمأنينتنا المتوهمة وأنين الآخرين الذي يملأ الفضاء .ونلمس ذات المكاشفة الوجدانية في رواية “السقوط” لألبير كامو المفكر الجزائري-الفرنسي، حيث نلتقي بذاك المحامي الذي توهم أنه في قمة الموضع الأخلاقي بمجرد كونه لا يؤذي أحداً، حتى باغتته صرخة غريقةٍ في عتمة النهر. لم يدفعها بيده، لكنه لم يمد إليها يده أيضاً؛ فاكتشف أن الحياد في لحظة الاستغاثة هو السقوط الحقيقي. يخبرنا كامو أن أمانة الروح لا تُخان بالجرائم الكبرى فحسب، بل تُخان بالصمت الذي نختاره لنحفظ به سلامنا الزائف، وبإعراضنا عن الموضع الذي يفرضه علينا الحق. إن هذا الوضوح أمام الذات هو الذي يمزق أقنعة الأنا، ليعيدنا إلى صدق البدايات حيث لا مكان للتبرير. ؛ وهذا ما يتجلى بأبهى صوره في تلك الوقفات القرآنية التي يستوقفنا فيها عتاب الخالق لنبيه. فهي ليست مجرد تصويبٍ لمسار، بل هي مرآةٌ كاشفة صُقلت بعنايةٍ إلهية لترشدنا إلى أن أمانة الوجود لا تكتمل إلا بيقظةٍ لا تغفل عن أدنى لفتات القلب.

عتاب المصطفى ﷺ كميزان للروح:
إن العتاب الإلهي للمصطفى ﷺ يخبرنا نحن الغارقين في صخب المادة أن رقي الروح يكمن في تمحيص هذا الحضور الروحي؛ فـاختلالُ الميزان الوجودي يحدث حين ننشغل بموازين الجاه على حساب الأرواح الظمأى، وحين نُعلي من شأن الأنا وتبريراتها اللامتناهية لنبرئ أنفسنا من وزر الصمت أمام هندسة الموت التي تمزق واقعنا اليوم. كما يتجسد هذا التيه في خيارنا المهين بالبقاء شهوداً على الزور والباطل عبر ممارسة تواطؤ ضمني؛ حيث نلوذ بصمتٍ ينمّ عن استقالتنا من مسؤوليتنا الإنسانية، مدفوعين بخشية واهية من إغضاب مَن هُم في مراكز النفوذ أو المناصب العليا. إننا هنا نقع في فخ المداهنة الوجودية طمعاً في رضاهم، مستبدلين أمانة الشهادة للحق برغبةٍ في تأمين القبول الاجتماعي أو المهني، واضعين هيبة المخلوق فوق جلال الخالق، ومتناسين أن المكانة التي تُحفظ بمحاباة القوي على حساب المظلوم هي في الحقيقة زيفٌ قيمي يغترب بالروح عن فطرتها ويخون ميثاقها الأخلاقي الأولي.

لطالما كانت تلك الوقفات القرآنية، التي يتجلى فيها عتاب الخالق لنبيه، من أعمق المواضع التي تستوقف الروح وتستنطق الفكر؛ فهي لا تقف عند حدود السرد التاريخي، بل تنفتح كآفاقٍ كاشفة لطبيعة الصلة الوجودية بالحق. إنها تضعنا أمام تساؤلٍ فلسفيٍّ باذخ: كيف يستحيل العتاب تجلياً لأسمى معاني الحب؟

إن “نبيَّه” هنا هو المصطفى ﷺ، الإنسان الذي اصطفاه الخالق ليحمل أمانة الرسالة ويجسد قيمها، ومع ذلك يأتيه العتاب الإلهي لا زجراً لمخطئ، بل صقلاً لمرآة النبوة لتبقى في أعلى درجات الصفاء. فنحن نقرأ خطاب الله الرحيم لنبيه محمد ﷺ، فنجد فيه لغةً تفيض بألفةٍ مذهلة، ألفةٍ تخرق رتابة صمتنا لتهزَّ فينا مكامن الشعور. ويتجسد ذلك المشهد جلياً في مطلع سورة “عبس”، حيث يواجه الوحي تلك اللحظة البشرية العابرة بصدقٍ شفاف: “عَبَسَ وَتَوَلَّى”. لم يكن هذا العتاب زجراً على خطيئة، بل كان ميزانًا إلهيًا لضبط إيقاع القلب.

لقد عاتبه ربه لأنه استغرق في محاولة كسب قلوب الوجهاء وسادة القريش طمعاً في هدايتهم، منصرفاً للحظة عن رجلٍ ضريرٍ أقبل يلتمس النور. فجاء الخطاب ليؤكد له ولنا: أن الانشغال بالقوة والجاه على حساب الروح الظمأى، ما هو إلا إخلالٌ جسيمٌ بترتيب الوجود ومقاصد الاستخلاف.

يتجلى الخطاب الإلهي في القرآن كمنظومة لتصحيح المسار الوجودي، حيث تأتي أوامر الاستغفار والقرب والسجود لتشكل ترياقاً يوازن أعباء الرسالة الثقيلة. ففي سورة الشرح، كان الامتنان الإلهي بوضع الحمل الثقيل ‘وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ * الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ’ تعبيراً عن التحرر من الأثقال التي تنهك الكيان الأخلاقي، ليتبعها التوجيه الإلهي بضرورة دوام المجاهدة وتجريد القصد: ‘فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ * وَإِلَىٰ رَبِّكَ فَارْغَب’؛ وكأن الشفاء من ثقل المسؤولية لا يكون بالركون إلى الراحة، بل بتجديد السعي والكدح نحو الحق وحده.

هذا الكدح المتسامي يجد مآله الوجداني في سورة النصر، حيث يرتفع الاستغفار في قوله ‘فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ’ كقنطرةٍ تعبر بالروح من ضيق الأنا المنتصرة إلى سعة المصدر الواهب؛ ليكون الاستغفار هنا صقلاً لمرآة الروح عند ذروة التجلي، وعاصماً لها من أن يحجبها زهو الإنجاز عن شهود الفضل. إن جوهر هذه الصلة يختصره الرد النبوي البليغ: ‘أفلا أكون عبداً شكوراً؟’؛ حيث يتحول التعبد هنا من مجرد وسيلة لنيل المغفرة إلى غاية وجودية في حد ذاته. الاستغفار في هذا السياق هو ‘صمام أمان’ يحفظ الروح في حالة ‘حضور’ دائم، حيث تتلاشى ‘الأنا’ البشرية وتبريراتها، لتجد قوتها الحقيقية في الفناء بجمال المصدر المطلق.” ويتجلى عمق هذا الاتصال الوجداني في ذلك المشهد المهيب الذي نقلته لنا السيدة عائشة، حين رأت النبي ﷺ يقوم الليل حتى تورمت قدماه، فسألته مستغربة: “يا رسول الله، تصنع هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟”؛ فجاء رده الذي يختصر فلسفة الوجود: “أفلا أكون عبداً شكوراً؟”. هنا، ندرك أن السجود لم يكن طلباً للعفو، بل هو فعلُ ارتقاءٍ وامتنانٍ خالص؛ فالنبي ﷺ لا يصلي ليُغفر له، بل يصلي لأن الله غفر له واصطفاه.

وفي واقعنا المعاصر الذي يغرق في الأنا المتضخمة وضغوط العالم الرقمي والمادي، تكتسب هذه القصة بعداً جديداً؛ فهي تذكرنا بأن القوة الحقيقية للإنسان لا تأتي من السيطرة أو الإنجاز الدنيوي، بل من الاستقامة الأخلاقية والارتباط بمصدر يتجاوز المادة. إننا اليوم، ونحن نواجه أزمات وجودية وأخلاقية كبرى حيث يُسحق الإنسان وتُدمر سبل الحياة, نحتاج إلى هذا الترياق النبوي لنحافظ على توازننا. إن السجود هنا يصبح فعلاً مقاوماً؛ فهو اللحظة التي نضع فيها أثقال العالم جانباً لنستمد القدرة على مواصلة الشهادة للحق. إن الاستغفار والحضور الروحي هما الحصن الذي يمنع أرواحنا من التيبس أو الاستسلام لليأس، ويجعل من صمودنا فعلاً نابعاً من الشكر واليقين، لا من مجرد القدرة على الاحتمال.

مراجعات في مفهوم الظلم: تيه الموضع وفقدان المركز:
تضعنا هذه الوقفات النبوية أمام مرآة كاشفة؛ فإذا كان المصطفى ﷺ، وهو من هو في كماله وحضوره، مأموراً بتمحيص أدق لفتات القلب، فكيف بنا نحن الغارقين في صخب المادة وتيه الغفلة؟ قد يغالبنا استغرابٌ مكتوم حين نردد نداء يونس عليه السلام: ‘إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ’، متعللين بنقاء أيدينا من الأذى الظاهر ومتسائلين ببراءةٍ عما اقترفناه لنستحق وصف ‘الظالمين’.. لكنَّ الحقيقة تكمن في أن الظلم هو تيهُ الموضع) أي الخروج عن المركز الأخلاقي القويم الذي يضع الحق في نصابه الصحيح (؛ هو أن نضع أمانة الروح في غير مقامها السامي. فحين نستمرئ الهوان بدلاً من التكريم، أو نؤثر الصمت المريح على قول الحق، نكون قد خنا ميثاق الفطرة. إن هذا الخذلان للذات لا ينكفئ على نفسه، بل يفيض ظلماً على العالم؛ فنحن نظلم الإنسانية حين نواري صوت الضمير خلف أقنعة الحياد، ونتركُ الحقيقةَ يتيمةً بلا صوتٍ يسندُها ، لنرتدَّ جميعاً إلى عتمة التواري والخذلان.

ويكتسب هذا المفهوم للظلم أبعاداً شديدة الحساسية في ظل ما يشهده عالمنا اليوم من تهاوٍ للمنظومات الأخلاقية الكبرى؛ ففي زمن تُستباح فيه الدماء في غزة ولبنان والسودان- على سبيل المثال لا الحصر- تحت بصر العالم وسمعه، لم يعد الحياد مجرد موقف سياسي، بل غدا شكلاً من أشكال الظلم الوجودي. إننا نظلم أنفسنا ونظلم الحقيقة حين نعتاد مشاهدة الفظائع وكأنها قدرٌ لا يُرد، واضعين الاعتياد في مقام الاستنكار. هذا هو الاغتراب الوجودي المعاصر ؛ حيث يُقدَّم الاستقرار الزائف على نصرة المظلوم، وتُغلف المصالح السياسية بمفردات الحياد الباردة.

إن ما يحدث في العالم من موت للمسافات الأخلاقية يجعل من نداء ‘إني كنت من الظالمين’ ضرورة لتصحيح المسار؛ فنحن كبشر نتحمل وزر كل حقيقة كتمناها وكل حقّ خذلناه خوفاً على طمأنينة متوهمة. إن الاستقامة مع النفس تقتضي منا اليوم أن ندرك أن صمتنا أمام هندسة الموت والتدمير هو إخلال بميثاقنا الإنساني. فإذا كان الأنبياء يراجعون تفاصيل الحضور الروحي، فكيف لا نراجع نحن مسؤوليتنا عن صمتٍ يمنح الجور شرعية البقاء؟ إن العالم اليوم لا يعاني من نقص في المعرفة، بل من انعكاس المراتب؛ حيث وُضعت القوة في يد من لا يرحم، ووُضع الصمت في أفواه من كان يجب أن يكونوا صوتاً للحقيقة.

ويمكن القول إن هذا التيه ليس مجرد سقوط عابر، بل هو ضياع للبوصلة الأخلاقية، ونتيجة لقصر نظر وجودي وعجزٍ عن الرؤية لما هو أبعد من اللحظة الراهنة. إننا نعيش حالة من الذهول عن حقيقة أن هذه الحياة ليست إلا معبراً زائلاً، وأن الحياة الحقيقية والأبدية هي التي تأتي بعدها، حيث تُحصى كل خلجة وكل قرار؛ كما يذكرنا الحق سبحانه في كتابه الكريم: ﴿وَمَا هَٰذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ ۚ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ ۚ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾. فالحياة الحقيقية هي الحياة الكاملة المستمرة التي يغفل عنها الكثيرون لصالح صراعات ضيقة على حطام زائل.
وربما يعود هذا العجز أيضاً إلى اعتياد الاستمتاع بملذات الحياة الفانية، وعبادة القوة، وحب التملك للمال والجاه، وهي غرائز حين تتضخم تحجب البصيرة عن رؤية المآل الأخروي. إن حب السلطة والمادة يغري الإنسان بتوهم الخلود في موضعه الدنيوي، مما يجعله يضحي بصدقه وأمانته الأخلاقية مقابل مكاسب مؤقتة. لكن هذا الركون إلى المتاع الزائل له أسبابه المتجذرة في ضعف اليقين باليوم الآخر؛ فعندما يغيب استحضار الموقف العظيم بين يدي العدل المطلق، يسهل على المرء أن يضع صمته في موضع الكلام، وخوفه في موضع الشجاعة، متناسياً أن كل فعل، بل وكل سكوت، هو سطرٌ في كتابٍ لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها.

كلما سمت الروح واشتدت بصيرتها، زاد حذرها من الحيد عن الحق، فصار العتاب الإلهي لها دليلاً على شدة الوصل لا الطرد. وفي هذه الحالة، يبرز الاستغفار كضرورة روحية تهدف إلى تجاوز القصور البشري والاتصال بنور المطلق.

إن الاعتراف بالظلم هو تمرينٌ وجودي لانتزاع الأنا من مركزيتها وتبريراتها اللامتناهية، وهو إقرارٌ بأن كينونتنا الهشة لا يمكنها إيفاء أمانة الوجود حقها. وتتجلى عظمة هذه الاستقامة في موقف المصطفى ﷺ حين أرسى دعائم العدل الكوني الذي لا يحابي قريباً ولا يداهن حبيباً، معلناً بصرامة أخلاقية تخترق القرون: لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها .هنا، لا يتحدث النبي عن احتمال وقوع الفعل، بل يضع المعيار المطلق؛ فالحق فوق العاطفة، والعدل مقدمٌ على الوشائج، والانتصار للمبدأ هو الحصن الذي يحمي الروح من الانزلاق خلف مبررات المحبة.

من الوعي الوجداني إلى الاستقامة الأخلاقية:
هذه البوصلة الأخلاقية كانت هي النور الذي اهتدى به الخلفاء الراشدون في إرساء مفهوم العدالة المنزهة عن الهوى. نلمس ذلك في وقوف عمر بن الخطاب أمام رعيته فاتحاً صدره للمراجعة، وهو القائل: أصابَتِ امرأةٌ وأخطأَ عُمَرُ، واضعاً كبرياء السلطة تحت أقدام الحقيقة. ونراه في أبي بكر الصديق حين أعلن في أول خطبة له ميثاقاً إنسانياً فريداً: القوي فيكم ضعيف عندي حتى آخذ الحق منه، والضعيف فيكم قوي عندي حتى آخذ الحق له؛ ليعيد وضع الأشياء في مواضعها الصحيحة، محطماً مراكز القوى الزائفة أمام جلال الحق. ويتجلى هذا الانحيازُ المطلق للحق في سيرة عمر بن عبد العزيز، الذي استهل خلافته بانتزاع الإقطاعات من أقاربه بني أمية لردّ المظالم إلى أهلها، مُسقطاً حسابات القرابة والمنصب أمام هيبة الوعيد الإلهي: ‘إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ’، ليرسم بذلك أرقى صور النزاهة التي لا تحابي قوياً ولا تداهنُ ذا جاه.

تتجلى الوشائج الفكرية لهذا الطرح في تقاطعات عميقة بين الفلسفة الغربية والتراث الأخلاقي العربي الإسلامي؛ حيث يلتقي مع رؤية المفكر الفلسطيني إدوارد سعيد حول دور المثقف الذي لا يرتضي الحياد البارد، بل يرى في قول الحقيقة في وجه القوة جوهر رسالته الأخلاقية، وهو ما يتقاطع مع نقد الطبيب والمناضل والفيلسوف الفرنسي-الجزائري فرانز فانون لـ “عالم الموت” الاستعماري، حيث يغدو الصمود والشهادة للحق فعلاً تحررياً ينتزع الذات من تبريرات الصمت والتبعية.

وفي المقابل، نجد الجذور الروحية لهذه الاستقامة في ‘إحياء علوم الدين’ للإمام الغزالي، الذي يرى في المحاسبة وتزكية القلب وسيلةً لضبط بوصلة الروح ومنعها من الانزلاق خلف غرور القوة أو بريق المادة. وتتجسد هذه المسؤولية الاجتماعية بأبهى صورها عند المفكر علي شريعتي في مفهوم المثقف الملتزم؛ ذاك الذي يكون شهيداً على عصره، رافضاً الحياد الذي يمنح الجور شرعية البقاء، ومؤكداً أن معرفة الحق لا تكتمل إلا بالانحياز إليه. كما يبرز هذا الصمود الأخلاقي في فكر العالم الأزهري المصري محمد عبد الله دراز، الذي قدّم في دراسته العميقة ‘دستور الأخلاق في القرآن’ بياناً جلياً بأن القرآن ليس مجرد كتاب عباداتٍ وشعائر، بل هو نظامٌ أخلاقيٌ متكاملٌ يضعُ ‘أمانة الإلزام’ الذاتي فوق كل اعتبار، حيث يتجلى نبل الروح في الانحياز للحق والمنكسرين بعيداً عن مداهنة القوى. هذا الانتباه الأخلاقي هو ما يقي الإنسان من غواية الجاه التي حذّر ابن خلدون من أثرها المدمر، كونها تقود في النهاية إلى خراب العمران وانهيار المنظومات الأخلاقية التي تشكل العمود الفقري للدول.

هنا، يغدو مفهوم ‘الإنسان المتمرد’ عند ألبير كامو هو التعبير الحيّ عن تلك اليقظة؛ فالتمرد عنده ليس شغبًا، بل هو رفضٌ قاطع لـخيانة الضمير. إنه ذاك الذي يمتلك الشجاعة ليقول ‘لا’ صريحة حين يرى كرامة الآخرين تُداس، ليعلن من خلالها ‘نعم’ قوية للقيم التي تجعلنا بشرًا. وحين يقول كامو: ‘أنا أتمرد، إذن نحن موجودون’، فهو يخبرنا أن وجودنا الحقيقي لا يكتمل بالعزلة، بل بالمسؤولية تجاه الآخر؛ فسكوتك عن الظلم ليس سلامة، بل هو إلغاءٌ لوجودك الأخلاقي. هذا التمرد يشبه تمامًا ما نعرفه في قيمنا بالواجب الجماعي (فرض الكفاية)؛ حيث تصبح صرخة الحق أمانةً في عنق كل واحد منا، إذا تخلّى عنها الجميع ضاعت إنسانيتنا جميعًا. إن هذا الموقف هو الجوهر الحقيقي لنداء ‘إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ’؛ فهو اعترافٌ بأننا نظلم أنفسنا حين نختار الصمت المريح على حساب أمانة الشهادة للحق.

الحياة الروحية، كما يرسمها عتاب الله لنبيه، ليست بلوغاً لجمود الكمال، بل هي فضيلة الدوران المستمر حول مركز الحق، والشهادة له مهما كلف الثمن. السجود والقرب، في نهاية المطاف، هما فعل التمرد الأرقى على زيف المادة وسلطان القوة، وهما الملاذ الذي نضع فيه أثقال العالم لنستمد القدرة على مواصلة المسير. هي رحمةٌ إلهية لا ترضى لنا البقاء على ما نحن عليه من نقص، بل تدفعنا دوماً لنكون في مواضعنا الصحيحة.. شهوداً بالقسط.. لنكون أجمل.