(حين يُستَغلّ الدين) وعيُ الشبابِ سبيلُ الاستقرار وبناءُ الأوطان
7 أبريل، 2026
الخوارج وخطرهم على الأمة

بقلم /
الشيخ: نور عبدالبديع حمودة الأزهري الشافعي
إمام وخطيب بوزارة الأوقاف المصرية
مقدمة:
الحمد لله رب العالمين، الذي جعل الأمن نعمةً كبرى، والاستقرار أساسًا للعمران، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ﷺ الذي أقام مجتمعًا متماسكًا على دعائم الإيمان والعلم والأخلاق.
فإن من أخطر ما يواجه المجتمعات في زماننا، تلك المحاولات الخفية التي تستهدف عقول الشباب، فتعبث بها، وتوجّهها توجيهًا منحرفًا، مستغلةً عاطفتهم الدينية، وضعف تأصيلهم العلمي، لتزرع بينهم الفتنة، وتغذّي فيهم روح الصراع، حتى يتحول الدين – وهو رحمة – إلى أداة نزاع وهدم.
خطورة استغلال الدين في غير مقصده :
لقد جاء الإسلام ليبني الإنسان، لا ليهدمه، وليجمع القلوب، لا ليفرّقها. قال تعالى:﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: 103].
غير أن بعض التيارات المنحرفة تعمل على اقتطاع النصوص من سياقها، وتحميلها ما لا تحتمل، فتُنشئ جيلًا يظنّ أن التشدد هو التدين، وأن الصدام هو النصرة، وأن تكفير المخالف هو الغيرة على الدين.
وهذا من أعظم صور الانحراف؛ لأنه يلبس ثوب الحق، وهو في حقيقته باطل.
كيف يُستهدف الشباب؟
إن الشباب هم عماد الأمة، وأملها في البناء، ولذلك كانوا الهدف الأول لهذه التيارات. ويتم استهدافهم عبر:
استغلال الحماس الديني:
حيث يُدفع الشاب إلى مواقف متطرفة دون علمٍ أو فقه.
الفراغ العاطفي والنفسي:
فيُمنح شعورًا زائفًا بالبطولة والانتماء.
ضعف الثقافة الشرعية:
فيتلقّى الدين من غير أهله، فيختلط عليه الحق بالباطل.
وقد حذّر النبي ﷺ من ذلك فقال:
«إنما العلم بالتعلّم، وإنما الحِلم بالتحلّم» (رواه الطبراني).
آثار هذا الانحراف على المجتمع :
إذا استُغلّ الدين في غير موضعه، كانت النتيجة:
انتشار الفرقة والعداوة بين أبناء الوطن الواحد.
الطعن في المؤسسات الدينية التي تمثّل صمام الأمان الفكري.
إشاعة الفوضى الفكرية والدينية.
إضعاف هيبة الدولة، وتمكين أعدائها منها.
وهنا تتحقق سنّة خطيرة، وهي أن الأمم لا تُهزم من خارجها، حتى تنهار من داخلها.
المنهج الوسطي هو صمام الأمان :
لقد كان منهج الأزهر الشريف عبر تاريخه هو الحصن الحصين للفكر الوسطي المعتدل، الذي يجمع بين النص والعقل، ويوازن بين الثوابت والمتغيرات.
قال تعالى:﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: 143].
والوسطية ليست تمييعًا، بل هي فهمٌ صحيح، واعتدالٌ في الفكرة، وانضباطٌ في السلوك، يرفض الغلو كما يرفض التفريط.
مسؤولية العلماء والمؤسسات :
إن مسؤولية التصدي لهذا الفكر المنحرف تقع على عاتق:
العلماء والدعاة: بتقديم خطاب ديني واعٍ يجمع بين الأصالة والمعاصرة.
المؤسسات الدينية: بنشر العلم الصحيح، وتحصين الشباب فكريًا.
الأسرة: بغرس القيم، ومتابعة الأبناء.
الإعلام: بتوعية المجتمع بخطورة الفكر المتطرف.
قال ﷺ:«كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته» (متفق عليه).
نحو بناء وعيٍ رشيد :
إن بناء الوعي هو السلاح الحقيقي في مواجهة هذه التحديات، ويكون ذلك من خلال:
تعلّم الدين من مصادره الموثوقة.
ترسيخ قيم التسامح والتعايش.
تعزيز الانتماء للوطن باعتباره جزءًا من الدين.
فتح قنوات الحوار مع الشباب بدلًا من إقصائهم.
خاتمة:
إن استقرار الأوطان لا يتحقق إلا بسلامة العقول، ونقاء القلوب، وصحة الفهم للدين.
وإذا كان أعداء الأوطان يسعون إلى إشعال نار الفتنة، فإن واجبنا أن نطفئها بنور العلم، وحكمة الدعوة، وصدق الانتماء.
نسأل الله أن يحفظ مصر وسائر بلاد المسلمين من الفتن ما ظهر منها وما بطن، وأن يرزق شبابنا الفقه في الدين، والبصيرة في الأمور، وأن يجعلهم أدوات بناءٍ لا معاول هدم.
والحمد لله رب العالمين.