بين خمر أبي جهل وعربدة بن غفير.. التاريخ يعيد نفسه


بقلم: الأديب والمؤرخ سيد الرشيدي

 

على رفوف التاريخ المتربة، تكرر المشاهد نفسها بوجوهٍ مستعارة؛ فالطغيان ملة واحدة، والغرور هو الخيط الناظم الذي يربط بين طغاة الأمس وشراذم اليوم. حين تابعتُ مشهد “بن غفير” ومن معه وهم يحتفون بقرار الكنيست الأخير لإعدام الأسرى الفلسطينيين، لم أرَ وجوهاً حديثة لـ “ديمقراطية” مزعومة، بل رأيت أشباح الماضي تطل من جديد بصلفها وقديم حقدها.

-سكرة القوة.. من دار الندوة إلى الكنيست

يعيدنا هذا المشهد إلى “أبي جهل” بن هشام، فرعون هذه الأمة، حين خرج في كبريائه نحو “بدر”. لم يكن يخرج لقتال فحسب، بل خرج ليرقص على جراح المستضعفين، قالها بملء فيه: “والله لا نرجع حتى نرد بدراً، فننحر الجزور، ونطعم الطعام، ونبيد الخمر، وتسمع بنا العرب وبمسيرنا وجمعنا فلا يزالون يهابوننا أبداً”.

كانت الخمر في يد “أبي جهل” صكاً للسيادة الموهومة، تماماً كما هي القوانين الجائرة اليوم في يد “بن غفير” وأتباعه؛ سكرة بالقوة، وعربدة بالظلم، وظنٌ أحمق بأن سلب الروح ينهي القضية. لكن أبا جهل غاب في غيابات الجبّ صريعاً، ونجا النبي ﷺ ومن معه بفضل معية الله التي لا تغيب، وبقي الحق شامخاً كالجبال الرواسي.

-ديمقراطية المقصلة.. وحقوق الإنسان المذبوحة

إن إسرائيل التي توهم العالم بأنها “واحة الحقوق” في صحراء الشرق، تخلع اليوم ورقة التوت الأخيرة. إن “حقوق الإنسان” التي يصدعون بها رؤوسنا في المحافل الدولية ليست إلا سيفاً يُشهر في وجه الضعفاء، ويُغمد حين يتعلق الأمر بـ “أهل الأرض”. أين هي ضمائر العالم؟ وأين هي “جامعة الدول العربية” التي اكتفت بمقاعد المتفرجين بينما يُساق الأبطال إلى المشانق بدم بارد؟

إن الأسرى في سجون الاحتلال ليسوا مجرد أرقام في ملفات قضائية، بل هم “في معية الله”، والذين يواجهون الموت بصدور عارية هم الورثة الحقيقيون لهذا التراب. إن قرار الإعدام ليس دليل قوة، بل هو أقصى درجات اليأس؛ اليأس من كسر إرادة شعب أثبت للعالم أن القيد لا يصنع عبداً، بل يصقل حراً.

-كلمة التاريخ.. واليقين الإلهي

بصفتي مؤرخاً، أقولها بملء اليقين: لم يدم ملكٌ قام على الجماجم، ولم يبقَ ظالمٌ احتفل بذبح خصومه إلا وكانت نهايته عبرةً لمن اعتبر. إن “أبو جهل” رحل وبقي محمد ﷺ، و”بن غفير” سيرحل وستبقى فلسطين.

إن المعركة اليوم هي معركة يقين لا معركة قوانين. وإذا كان القوم يشربون نخب ظلمهم اليوم، فإن التاريخ يسجل بمداد من نور أن الحقوق لا تموت بالتقادم، وأن الأرواح التي تصعد إلى باريها هي التي ستظل تطارد الجلاد في نومه وصحوه.

صبرًا يا أسرى الحرية، فما بعد ضيق السجن إلا فضاء النصر، والله غالبٌ على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.