من أسيوط إلى صنعاء.. عالم حمل رسالة الإسلام بصدق
2 أبريل، 2026
العلم والعلماء

بقلم د/ مصطفى طاهر رضوان
عضو هيئة التدريس بقسم العقيدة والفلسفة
كلية أصول الدين والدعوة ـ جامعة الأزهر
العالم الأزهري الأصيل، والداعية القدير، والمفتي الذي أُقيل من منصبه بسبب مواقفه، والذي ألحت اليمن على الأزهر الشريف أن يُعار إليها لينهض بالأوقاف والتعليم فيها، فقربه رئيسها، واحتفى به، كما كرمه الرئيس مبارك رحمه الله.
في تاريخ الأزهر الشريف، قديمًا وحديثًا، رجالُ حقٍ وعلماءُ صدق، كلماتهم ممزوجة بالحق، وعباراتهم خالية من التهاون والنفاق؛ علماء لا يعرفون إلا الصدق، ولا ينطقون إلا بالحق، ومن بين هؤلاء العالم الجليل فضيلة الشيخ/ علي أبو الحسن الخطيب ـ رئيس لجنة الفتوى بالأزهر الشريف سابقًا ـ عليه رحمة الله.

وُلِد هذا العالم الفاضل، والمربي الكبير، في قرية بني غالب بمركز أسيوط، يوم الثلاثاء الأول من شهر ذي الحجة سنة 1356هـ، الموافق الأول من فبراير سنة 1938م، في أسرة أزهرية عريقة أبًا عن جد.
وكما هي سيرة علماء الأزهر، كانت بدايته من كتاب القرية، ثم تدرج في مراحل التعليم الأزهري، حتى تخرج في قسم التفسير والحديث بكلية أصول الدين والدعوة عام 1967م.
عُيِّن بالأزهر الشريف واعظًا عامًا بمركز ديروط عام 1967م، ثم مفتشًا أول للوعظ بمحافظة أسيوط، قبل أن يُعار إلى اليمن عام 1973م لتدريس العلوم الشرعية ونشر الثقافة الإسلامية، ثم أُعير مرة أخرى عام 1978م خبيرًا للدعوة بمكتب الإرشاد التابع لرئاسة الجمهورية اليمنية حتى عام 1983م، وخلال هذه الفترة ألَّف عشرة كتب مدرسية في مادة التربية الإسلامية بوزارة التربية والتعليم اليمنية، وما تزال كتبه تُدرَّس إلى اليوم.
ولم يكن طلب اليمن له أمرًا عابرًا، بل جاء بطلب رسمي من رئيس اليمن إلى الرئيس محمد حسني مبارك رحمه الله، خلال المؤتمر الأول لاتحاد التعاون العربي (مصر – العراق – اليمن – الأردن)، فصدر قرار شيخ الأزهر بإعارته إعارة غير محدودة، مستشارًا للدعوة بوزارة الأوقاف اليمنية، وخطيبًا لمسجد رئيس الجمهورية (مسجد الشهداء) بالعاصمة صنعاء، وهو المسجد الرسمي للدولة، فقربه الرئيس، وجعله من خاصته، وعينه خبيرًا للدعوة بمكتب الإرشاد التابع لرئاسة الجمهورية.
ثم عاد إلى مصر في مطلع عام 1997م، ليتولى إدارة منطقة الوعظ والإرشاد بأسيوط، ثم مديرًا لشؤون مناطق الوعظ عام 1998م، وعضوًا باللجنة العليا للفتوى بالأزهر، ثم مديرًا عامًا للدعوة والإعلام الديني عام 1999م، ثم أمينًا عامًا للجنة العليا للدعوة الإسلامية بمشيخة الأزهر، ثم أمينًا عامًا مساعدًا لمجمع البحوث الإسلامية للدعوة والإعلام الديني، ورئيسًا للجنة الفتوى بالأزهر الشريف من عام 2000م حتى 2003م.
غير أن هذه المسيرة لم تخلُ من مواقف جسورة؛ فقد أُقيل في عام 2003م بقرار من شيخ الأزهر آنذاك، بسبب موقفه الجريء من الحرب الأمريكية على العراق، إذ أصدر فتواه الشهيرة: بوجوب قتال القوات الأمريكية إذا دخلت العراق، وأن دماء الجنود الأمريكيين والبريطانيين في هذه الحالة حلال، وأن قتلى المسلمين شهداء، وظل ثابتًا على موقفه، ينادي به، ويعلن عنه، لم يبدل ولم يساوم، حتى صدر قرار إقالته بحجة أن ذلك تدخل في الشأن السياسي، وأن الأزهر لا يتدخل في مثل هذه القضايا.
لكن المواقف الصادقة لا تموت؛ فبعدها بأشهر، وفي عام 2004م، كرمه الرئيس/ محمد حسني مبارك ـ رحمه الله، ومنحه وسام الجمهورية في العلوم والفنون من الطبقة الأولى، وشهادة تقدير.
وقد جاب الشيخ علي أبو الحسن بلادًا عربية وأوروبية داعيًا إلى الله، فزار المملكة العربية السعودية، وسوريا، ولبنان، والإمارات العربية المتحدة، وإسبانيا، ونيجيريا، والولايات المتحدة الأمريكية، وغيرها من البلدان، حاملًا رسالة الإسلام بعلمٍ ووعيٍ واعتدال.
وظل رحمه الله قائمًا برسالة الدعوة، لا يلين ولا يفتر، يجمع بين فصاحة اللسان وقوة البيان، وبين السماحة والرفق، حتى صار له قبول واسع، ومحبة كبيرة في قلوب الناس، خاصة في محافظة أسيوط، والتي قام فيها بدورٍ كبير في المصالحات الثأرية.
وظل على هذا العهد، ثابتًا على طريق الدعوة، حتى لقي ربَّه في شهر أبريل سنة 2023م، بعد حياة حافلة بالعطاء، وسيرةٍ تكتب بمداد العز والصدق، وتبقى شاهدًا على أن الأزهر لا يزال يُنجب رجالًا يقولون الحق، ولا يخشون في الله لومة لائم.