من ذاق راق
1 أبريل، 2026
منبر الدعاة

بقلم أ : هناء حمادة
واعظة معتمدة بوزارة الأوقاف المصرية
وكبير معلمي اللغة العربية والتربية الإسلامية
من ذاق راق… عبارة قصيرة في كلماتها، عظيمة في معناها، تحمل في طياتها سرّ التغيير الحقيقي في حياة الإنسان. فليس كل من سمع أدرك، ولا كل من علم عمل، ولكن من ذاق بنفسه حلاوة الشيء، رقّ قلبه، وصفا طبعه، وارتقى سلوكه.
إن الحديث عن “الذوق” هنا ليس ذوق الطعام أو الشراب، بل هو ذوق الإيمان، وذوق الطاعة، وذوق القرب من الله. فكم من إنسان يسمع عن الصلاة، لكنه لا يشعر بلذتها، وكم من آخر يتحدث عن القرآن، لكنه لم يتذوق نوره بعد. أما الذي ذاق، فقد عرف الطريق، واستشعر السكينة، وانعكس ذلك على حياته كلها.
إن للإيمان طعمًا لا يدركه إلا من عاشه، وقد عبّر النبي ﷺ عن ذلك بقوله:
“ذَاقَ طَعْمَ الإِيمَانِ مَنْ رَضِيَ بِاللَّهِ رَبًّا، وَبِالإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ ﷺ رَسُولًا”
فهذا الذوق ليس أمرًا نظريًا، بل شعور يملأ القلب سكينة، ورضا ينعكس على حياة الإنسان كلها.
من ذاق حلاوة الصلاة، لم يعد يؤديها كواجب ثقيل، بل كراحة وطمأنينة. يقف بين يدي الله بقلب حاضر، يشعر بالقرب، ويأنس بالمناجاة. ومن ذاق لذة القرآن، صار يشتاق إليه، لا يملّ من تلاوته، ولا يكتفي من تدبره. ومن ذاق جمال الطاعة، أحب الخير، وسارع إليه، وابتعد عن المعصية لا خوفًا فقط، بل حبًا في النقاء.
ولهذا، فإن الرقي الحقيقي لا يأتي بالكلام وحده، ولا بالمظاهر، بل بتجربة صادقة يعيشها الإنسان. عندما يذوق القلب نور الهداية، يرقّ، فينعكس ذلك على الأخلاق: فيصبح أكثر رحمة، وأكثر صبرًا، وألين جانبًا، وأصدق في التعامل مع الناس.
“من ذاق راق” تعني أن الطريق إلى التغيير يبدأ بخطوة عملية: جرّب، اقترب، عِش التجربة بنفسك. صلِّ بخشوع، اقرأ القرآن بتدبر، أكثر من الذكر، وسترى كيف يتبدل حالك شيئًا فشيئًا. فالتجربة الصادقة تصنع يقينًا لا تزعزعه الظروف.
وفي النهاية، ليست العبرة بكثرة ما نعرف، بل بعمق ما نعيش. فمن ذاق حلاوة القرب من الله، لا يمكن أن يعود كما كان… بل يرقى، ويسمو، ويجد في قلبه من الطمأنينة ما لا يوصف.
فاللهم ارزقنا لذة القرب منك، وحلاوة طاعتك، حتى نكون ممن ذاقوا فراقوا.
﴿فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾
(سورة الأنعام: 125)
— تشير إلى لذة الطاعة وانشراح الصدر بها، وهو من آثار “الذوق”.
﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾
(سورة الرعد: 28)
— تعبر عن الأثر القلبي الجميل لمن ذاق ذكر الله.
وأقرب آية تختصر المعنى بشكل جميل: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى﴾
لأنها تشير إلى أن من بدأ وتذوّق، رُقّي وزيد في الخير.
قال رسول الله ﷺ: “ذَاقَ طَعْمَ الإِيمَانِ مَنْ رَضِيَ بِاللَّهِ رَبًّا، وَبِالإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ ﷺ رَسُولًا” رواه مسلم