لم يعد المشهد الأمريكي كما كان، ولم تعد السياسة هناك تُدار بمعزل عن صخب الشارع أو ارتدادات الحروب البعيدة. فمع عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، دخلت الولايات المتحدة مرحلة جديدة تتسم بالحدة، والقرارات الصادمة، والانحيازات الواضحة، خاصة في ما يتعلق بالحرب الدائرة بين إسرائيل وإيران، والتي تحولت إلى مواجهة مفتوحة بدعم أمريكي مباشر.
هذه الحرب، التي يراها البعض امتدادًا طبيعيًا لتحالف استراتيجي قديم بين واشنطن وتل أبيب، لم تمر بهدوء داخل المجتمع الأمريكي. بل فجّرت حالة من الغضب الشعبي غير المسبوق، بعدما بدأت آثارها الاقتصادية تضرب كل بيت أمريكي. فقد ارتفعت أسعار الوقود بشكل حاد، وارتبكت الأسواق، وبدأ المواطن يشعر بأن جيبه هو ساحة المعركة الحقيقية.
وفي قلب هذا المشهد، يتحرك الحزب الديمقراطي، محاولًا استغلال حالة السخط الشعبي للعودة بقوة إلى الكونجرس. شخصيات مثل حكيم جيفريز وتشاك شومر تقود هذا التحرك، لكنهم يواجهون تحديًا بالغ التعقيد: كيف يعارضون سياسات الحرب دون أن يظهروا بمظهر الضعف أمام خصومهم؟ وكيف يكسبون الشارع الغاضب دون أن يصطدموا بمراكز القوى التي تدعم هذا التوجه العسكري؟
اللافت أن المظاهرات التي خرجت في عدة مدن أمريكية لم تكن مجرد احتجاجات عابرة، بل حملت رسائل عميقة. المواطن الأمريكي لم يعد يقبل بسهولة فكرة أن تُدار الحروب باسمه، بينما هو يدفع ثمنها في صورة تضخم وارتفاع أسعار وقلق اقتصادي. شعارات مثل “لا للحروب من أجل الآخرين” و”أموالنا أولى بنا” أصبحت تعبيرًا صريحًا عن تحوّل في الوعي الشعبي.
أما إدارة دونالد ترامب، فتتعامل مع الأزمة من زاوية مختلفة. فهي ترى في هذه الحرب فرصة لإعادة فرض الهيمنة الأمريكية، وإرسال رسالة قوة إلى خصومها، وفي مقدمتهم إيران. كما أن هذا التصعيد يخدم، من وجهة نظرها، توطيد العلاقة مع إسرائيل، التي تُعد أحد أهم الحلفاء في المنطقة.
لكن ما يبدو قوة في الخارج، يتحول إلى عبء في الداخل. فكل صاروخ يُطلق في الشرق الأوسط، يقابله ارتفاع في أسعار النفط، وكل تصعيد عسكري ينعكس مباشرة على الأسواق العالمية، وهو ما جعل الاقتصاد الأمريكي يعيش حالة من التوتر المستمر.
الأكثر غرابة أن بعض دوائر النفوذ داخل واشنطن لا ترى في هذه الفوضى خطرًا، بل فرصة لإعادة ترتيب الداخل الأمريكي سياسيًا واقتصاديًا. فالأزمات الكبرى كثيرًا ما تُستخدم لإعادة تشكيل الخريطة السياسية، وتحويل اتجاهات الرأي العام، بل وإعادة تعريف أولويات الناخبين.
الديمقراطيون، وهم يخوضون معركة السيطرة على الكونجرس، يدركون أن هذه اللحظة قد تكون فرصتهم الذهبية، لكنها في الوقت ذاته قد تتحول إلى فخ. فإذا لم ينجحوا في تقديم بديل واضح ومقنع، فقد يخسرون الشارع رغم غضبه، ويمنحون خصومهم فرصة للتمدد.
وفي المقابل، يستفيد الجمهوريون من خطاب القوة والحسم، الذي يتبناه الرئيس دونالد ترامب، لتأكيد فكرة أن أمريكا لا تزال قادرة على فرض إرادتها، حتى وإن كان الثمن داخليًا مرتفعًا.
وسط كل ذلك، تتداخل السياسة بالاقتصاد، والحرب بالانتخابات، والمصالح بالشعارات. لم يعد من السهل الفصل بين ما هو قرار عسكري وما هو تكتيك انتخابي. فكل خطوة في هذه الحرب تحمل في طياتها حسابات تتجاوز ساحة المعركة إلى صناديق الاقتراع.
وفي النهاية، تبدو الصورة أكثر تعقيدًا مما تبدو عليه. حرب تُخاض في الشرق الأوسط، لكنها تعيد تشكيل الداخل الأمريكي. شعب غاضب، وأسعار ملتهبة، وسياسيون يتصارعون على السلطة، في مشهد يعكس حقيقة واحدة: أن العالم لم يعد منفصلًا، وأن قرارًا في واشنطن يمكن أن يشعل نارًا في طهران، ويُشعل معها غضبًا في شوارع نيويورك.
وفي خضم هذا الإعصار السياسي والعسكري، تقف المنطقة والعالم على حافة مرحلة غير مسبوقة من الفوضى، حيث لم تعد نيران الحرب محصورة في حدودٍ بعينها، بل امتدت لتطال مفاصل الاقتصاد العالمي وأمن الطاقة، مع تصاعد الحديث عن تهديدات بإغلاق مضيق هرمز، ذلك الشريان الحيوي الذي يمر عبره جزء كبير من نفط العالم. وإذا ما تحقق هذا السيناريو، فإن العالم لن يواجه مجرد أزمة طاقة، بل زلزالًا اقتصاديًا يعصف بكل القارات دون استثناء.
لقد دفعت دول الخليج ثمنًا باهظًا في هذا المشهد المشتعل، بين تهديدات مباشرة، واستنزاف اقتصادي، وخسائر تمتد آثارها لعقود، بينما تواجه إيران دمارًا واسعًا نتيجة ضربات متتالية، في حرب لم تعد تعرف خطوطًا حمراء ولا قواعد اشتباك. وفي الوقت ذاته، تتسع دائرة النار بفعل اعتداءات إسرائيل التي لم تقتصر على إيران وحدها، بل امتدت إلى لبنان وفلسطين واليمن، لتتحول المنطقة بأكملها إلى ساحة مفتوحة لصراع متعدد الجبهات، يدفع ثمنه الأبرياء قبل الساسة.
ووسط هذا الركام، تتكشف الحقيقة الأشد قسوة: أن من يشعلون الحروب قد يملكون قرار بدايتها، لكنهم لا يملكون أبدًا السيطرة على نهايتها. فكل طلقة تُطلق، وكل صاروخ يُدمر، يفتح أبوابًا جديدة للفوضى، ويزرع بذور صراعات قادمة قد تكون أكثر شراسة وأطول أمدًا.
إن ما نشهده اليوم ليس مجرد صراع عابر، بل إعادة تشكيل قاسية لخريطة العالم، تُكتب بدماء الشعوب، وتُرسم بقرارات لا تعبأ إلا بالمصالح والنفوذ. وبينما تتصارع القوى الكبرى على النفوذ، يبقى الإنسان البسيط هو الضحية الأولى، يدفع ثمن الوقود نارًا في معيشته، ويدفع ثمن الحرب خوفًا على مستقبله. وهنا، تتجلى اللحظة الفارقة: إما أن يفيق العالم على صوت العقل قبل أن تُغلق كل نوافذ النجاة، أو يستمر هذا الانحدار نحو هاوية لا يعلم أحد مداها. فالحروب قد تبدأ بقرار، لكنها تنتهي دائمًا بكارثة… والكارثة هذه المرة، قد لا تترك لأحد فرصة للنجاة.