أكثرُ أهلِ الجنةِ النساء؟! «جمعٌ بين النصوص ورفعُ الإشكال»


بقلم د. ميرنا يونس

الحمد لله الذي وسعت رحمته كلَّ شيء، وجعل الجنّة دار كرامةٍ لعباده المؤمنين، والصلاة والسلام على نبيِّنا محمدٍ الذي بيَّن للناس سبيل النجاة، وأوضح لهم حقائق الغيب بما أوحاه الله إليه…

أما بعد؛ فإن من المسائل التي يكثر فيها السؤال، ويقع فيها الإشكال: ما ورد في النصوص من أن النساء أكثر أهل النار، وفي نصوص أخرى ما يدل على أنهن أكثر أهل الجنة، بل وجاء ما يُشعر بأنهن أقلّ أهلها، وأهم أحاديث الباب والتي يقع فيها الإشكال: –

١- عَن أَبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَنِ النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَال:
” إِنَّ أَوَّلَ زُمْرَةٍ تَدْخُلُ الجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْر، وَالَّتي تَلِيهَا عَلَى أَضْوَإِ كَوْكَبٍ دُرِّيٍّ في السَّمَاء، لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ زَوْجَتَانِ اثْنَتَان، يُرَى مُخُّ سُوقِهِمَا مِنْ وَرَاءِ اللَّحْم، وَمَا في الجَنَّةِ أَعْزَب “

وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ ” اخْتَصَمَ الرِّجَالُ، وَالنِّسَاءُ أَيُّهُمْ فِي الْجَنَّةِ أَكْثَرُ فَسَأَلُوا أَبَا هُرَيْرَةَ فَذَكَرَهُ فَإِذَا خَلَّتْ الْجَنَّةُ عَنْ الْعُزَّابِ وَكَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ زَوْجَتَانِ كَانَ النِّسَاءُ مِثْلَيْ الرِّجَالِ “

٢- عَنْ عَبْدِ اللهِ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ” يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ تَصَدَّقْنَ، فَإِنَّكُنَّ أَكْثَرُ أَهْلِ النَّارِ ” فَقَالَتِ امْرَأَةٌ: وَمَا لَنَا أَكْثَرُ أَهْلِ النَّارِ؟ قَالَ: ” لِأَنَّكُنَّ تُكْثِرْنَ اللَّعْنَ، وَتَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ “

٣- عَنْ ‌أَبِي رَجَاءٍ الْعُطَارِدِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ ‌ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اطَّلَعْتُ فِي الْجَنَّةِ فَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا الْفُقَرَاءَ، وَاطَّلَعْتُ فِي النَّارِ فَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا النِّسَاءَ »

وهذه الظاهرة تحتاج إلى جمعٍ علميٍّ رصين، يرفع التعارض، ويُظهر كمال الشريعة واتساقها، وفي محاولة ذلك أقول:

أولًا: دلالة حديث أبي هريرة على كثرة النساء في الجنة:

روى الإمام مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي ﷺ قال في صفة أهل الجنة:
«إن أول زمرة تدخل الجنة على صورة القمر ليلة البدر… لكل امرئٍ منهم زوجتان اثنتان… وما في الجنة أعزب»
وقد استدل أبو هريرة رضي الله عنه بهذا الحديث على أن النساء في الجنة أكثر من الرجال، كما نقل ذلك ابن سيرين رحمه الله، حيث قال:
“اختصم الرجال والنساء: أيهم أكثر في الجنة؟ … فسألوا أبا هريرة، فاحتج… بهذا الحديث”

وهذا الاستدلال ظاهر؛ إذ لو كان لكل رجل زوجتان من نساء الدنيا، لزم من ذلك أن يكون عدد النساء في الجنة أكثر.

ثانيًا: تقرير الحافظ ابن حجر للمسألة:
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله في فتح الباري:
«واستدل أبو هريرة بهذا الحديث على أن النساء في الجنة أكثر من الرجال… وهو واضح، لكن يعارضه قوله ﷺ في حديث الكسوف: رأيتكن أكثر أهل النار، ويجاب بأنه لا يلزم من أكثريتهن في النار نفي أكثريتهن في الجنة…»
ثم بيَّن وجه الإشكال بحديث:
«اطلعت في الجنة فرأيت أقل ساكنها النساء»
وقال في توجيهه:
«ويحتمل أن يكون الراوي رواه بالمعنى… ويحتمل أن يكون ذلك في أول الأمر قبل خروج العصاة من النار بالشفاعة»
كما قال أيضًا في موضع آخر:
«والذي يظهر أن أقل ما لكل واحد منهم زوجتان…».
فكلامه رحمه الله يجمع بين أمرين:
تقرير دلالة الحديث على كثرة النساء في الجنة.
وبيان أن ما ظاهره التعارض له أجوبة معتبرة.

ثالثًا: توجيه الإمام النووي:
قال الإمام النووي رحمه الله في شرح مسلم:
«ظاهر هذا الحديث أن النساء أكثر أهل الجنة، وفي الحديث الآخر أنهن أكثر أهل النار… فيخرج من مجموع هذا أن النساء أكثر ولد آدم…»
ثم نبَّه إلى قيدٍ مهم:
«وهذا كله في الآدميات، وإلا فقد جاء للواحد من أهل الجنة من الحور العدد الكثير»
فبيَّن أن المقارنة هنا بين نساء الدنيا، لا مطلق نساء الجنة.

رابعًا: الجمع بين النصوص ورفع التعارض:

عند جمع الأحاديث والآثار، يظهر أن الإشكال يمكن حله بعدة أوجه متكاملة:

١- لا تعارض بين الكثرتين

قول النبي ﷺ: «أكثر أهل النار النساء» لا يستلزم أن لا يكنّ أكثر أهل الجنة؛ لأن الجهتين مختلفتان، فقد يكنّ أكثر في الطرفين معًا.

٢- أن النساء أكثر عددًا في الأصل
كما قرره النووي رحمه الله، فإن النساء أكثر عددًا من الرجال في مجموع بني آدم، فيلزم من ذلك:
أن يكنّ أكثر أهل النار.
وأن يكنّ أكثر أهل الجنة كذلك.

٣- أن قلة النساء في الجنة كانت في وقتٍ مخصوص
كما رجّحه ابن حجر:
«ويحتمل أن يكون ذلك في أول الأمر قبل خروج العصاة من النار بالشفاعة».
فإذا خرجت المؤمنات العاصيات بالشفاعة، كثر عدد النساء في الجنة.

٤- احتمال الرواية بالمعنى
أشار إليه ابن حجر بقوله:
«ويحتمل أن يكون الراوي رواه بالمعنى…».
أي أن بعض الألفاظ قد تكون نُقلت بما فهمه الراوي، لا بلفظها الدقيق.

وعليه؛ فبعد هذا الجمع يتبين:
أن حديث أبي هريرة دالٌّ على أن النساء في الجنة أكثر من الرجال.
وأن حديث «أكثر أهل النار النساء» لا يعارض ذلك.
وأن ما ورد من قلة النساء في الجنة محمول على حالٍ مخصوص أو وقتٍ معين.
وقد قال أهل العلم:
النساء أكثر أهل الجنة، وأكثر أهل النار كذلك؛ لكثرتهن في أصل الخلق بالنسبة للرجال، فتكون النساء أكثر أهل النار بأنهنَّ أكثر أهلها ابتداءً وأكثر أهل الجنة انتهاءً …

ومن هنا يظهر أن هذه المسألة مثالٌ جليٌّ على دقّة منهج أهل العلم في فهم النصوص، حيث لا يُضرب بعضها ببعض، بل تُجمع وتُفهم في ضوء القواعد الكلية، وفيها أيضًا تذكيرٌ عظيم بأن العبرة ليست بالكثرة، وإنما بالعمل الصالح؛ فمن أطاعت ربها، فُتحت لها أبواب الجنة، رجلًا كان أو امرأة.

وأسأل الله أن يجعلنا من أهل الجنة، وأن يرزقنا الفقه في دينه، والبصيرة في فهم سنة نبيه ﷺ إنه ولي ذلك والقادر عليه