اعتناء السادة الصوفية بنقل جميع العلوم واتصال الأسانيد العلمية بأنوار السادة الصوفية
إنَّ من المظاهرِ الواضحةِ الجليَّةِ في تاريخ أُمَّةِ الإسلام انتماءَ كثيرٍ من عُلماء الشَّريعة والحاملين للواءِ الدِّين الإسلامي للتصوف ممَّن لا يحصيهم عدٌّ ولا حصرٌ في العلوم العقلية والنقلية كافة، ودلالةُ هذا أيُّها الأخ الكريمُ أن التَّصوف هو حقيقةُ وجوهرُ الإسلام وشريعته، وهو الذي اتَّخذَ منه هؤلاء العلماءُ الأجلَّاءُ المبرزين منهجًا وطريقًا للوصول إلى رحاب الله، فلو لم يكن التَّصوف قائمًا على الشَّرع لما انتيه العلماءُ وأهلُ القرآنِ والفقه والتوحيد والحديثِ وأئمة اللغة وحملة الشريعة الذابون عنها كل دخيل، وسنعرضُ فيما يلي أسماءَ وأحوالَ بعض علماء الشريعة ممَّن عُرفوا بالتَّصوُّف.
الصُّوفية والقرآن الكريم:
إن تراجمَ وكُتبَ طبقات الصُّوفية مليئةٌ باهتمام المنهج الصُّوفي بكتاب الله، وأهمية وجود وردٍ يوميٍّ للمريد لا ينقطع عنه حتى يكونَ موصولًا بكلام الله، وفوق ذلك فإنَّ من الحقائق الثَّابتةِ أنَّ سند قراءات القرآن الكريم الموصولةِ إلى سيِّدِنا رسول الله عبر العصور- والتي تلقَّت الأُمَّة عن طريق رجال هؤلاء السَّند كتابَ ربِّها- كان الكثير منهم من أهل التَّصوف، فإنَّه ما من قراءةٍ من القراءات إلَّا وبها علماء ممَّن عُرفوا بالتَّصوُّف منهجًا وسلوكًا. وعلى سبيل المثال شيخ الإسلام زكريَّا الأنصاري مرجع القراءات القرآنية يروي القراءاتِ السَّبع وأغلب أسانيد القراءاتِ تعود إليه وهو من كبار رجال التَّصوف، وله مؤلفات في التَّصوف، وهو الذي شرح الرسالة القُشيرية التي هي دستور أهل التَّصوف. وهناك كتاب في تراجمِ أهل القرآن وعلماءِ القراءات للحافظ الذهبي وهو كتاب «معرفة القرَّاء الكبار على الطَّبقات والأعصار» نجد فيه الكثيرَ من القُرَّاء من أهل التَّصوف والسُّلوك منهم:
الإمام أحمد بن علي البغدادي ترجَم له في هذا الكتاب فقال: «أبو الخطاب الصُّوفيُّ المقرئ، واسمه أحمد بن عليٍّ البغدادي، من شيوخ الإقراء ببغداد، توفي سنة ستٍّ وسبعين وأربعمائة»
معرفة القراء الكبار على الطبقات والأعصار (1/446) تأليف: أبي عبدالله شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان بن قَايْماز الذهبي (المتوفى: 748هـ) مؤسسة الرسالة بيروت- الطبعة الأولى، 1404-تحقيق: بشار عواد معروف وشعيب الأرناؤوط وصالح مهدي عباس.
«عبدالوهَّاب بن الأمين عليِّ بن عليِّ بن عُبيدالله الإمام أبو أحمد بن سكينة البغدادي المُقرئ الصُّوفيُّ، شيخُ العِراق في عصره». المصدر السابق (2/582).
«عزُّ الدِّين الفاروثي، العلَّامة أبو العبَّاس أحمد بن الإمام أبي محمَّد إبراهيمَ بن عمر بن الفرج بن أحمدَ بن سابور بن عليِّ بن غنيمة الواسطي، المقرئ المفسِّر الشَّافعي الخطيب الصُّوفي، أحد الأعلام، وُلد سنة أربع عشرة وستمائة بواسط، وقرأ القراءات على والده… إلى أن قال: وقدم بغداد سنة تسع وعشرين فسمع الحديث من عمر بن كرم والشيخ شهاب الدين السَّهروردي ولبس منه الخرقة- خرقة التصوف- وأبي الحسن القطيعي وخلق سواهم. وكان فقيهًا عالمًا علَّامة مُفتيًا عارفًا بالقراءات ووجوهها، بصيرًا بالعربية واللغة عالمًا بالتَّفسير خطيبًا واعظًا زاهدًا خيرًا، صاحب أورادٍ وتهجُّدٍ و مروءة وفتوةٍ وتواضعٍ، ومحاسنه كثيرةٌ، وكان له أصحابٌ ومريدون انتفعوا بصحبته في دِينهم ودنياهم». المصدر السابق (2/692)
«زاهر بن رستم، الشيخ أبو شجاع الأصبهاني ثم البغدادي، المقرئ الفقيه الشَّافعي، ولد سنة ستٍّ وعشرين وخمسمائة، وصحب الصُّوفيةَ ثم جاور وأمَّ بالمقام، وروى الكثير». المصدر السابق (2/599).
«محمد بن أبي العلاء، محمَّد بن عليِّ بن المبارك، الإمام موفق الدِّين أبو عبدالله الأنصاري الربَّاني النصيبي المقرئ الشَّافعي الصُّوفي، نزيل بَعلبك وشيخ الإقراء بجامعها، وشيخ الخانقاه… وأخذ عنه القراءات جماعةٌ من أهل بعلبك وتخرجوا به». المصدر السابق (2/710).
«محمَّد بن نصير بن صالح، الإمام أبو عبدالله المصري المقرئ الصُّوفي، نزيلُ دمشق… كان قيِّمًا بمعرفة القراءات بصيرًا بها عارفًا بكثير من عِللها، مجموعَ الفضائل عاقلًا ديِّنًا».المصدر السابق (2/724)
وبهذا الكتاب كثير من تراجِم أهل التَّصوف حملة كتاب الله.
فهؤلاء هم الصُّوفية أهل الله وحفَّاظ كتابه ممَّن علَّموا الأمةَ القرآنَ الكريمَ الذين تلقَّوا القرآنَ وكانوا حفظته، والذين هم في سلسلةِ أسانيده المباركةِ.
الصُّوفية وحديث رسول الله ﷺ:
بالنَّظر إلى مصنَّفات الحديث في أُمَّة الإسلام نجدُ أنَّ أئمةَ التَّصوف كانوا في سَند مَن روى صحاح السُّنَّة موصولةً بسندها إلى رسولِ الله ﷺ إلى وقتِنا الحالي.
فهذا الإمام القَسْطلَّاني العالم الرَّبَّانيُّ الصوفيُّ الذي شرحَ صحيح البخاري. والإمام النَّووي شارحُ صحيح مسلم حينما يَذكر سندَه في تلقِّي صحيح مسلمٍ، فيذكر: فلانٌ عن فلانٍ الصُّوفيِّ رضي الله عنه، أو عن فلانٍ وكان من أهلِ التَّصوفِ، أو فلانٌ وكان من أئمَّة التَّصوفِ، وكلُّ ذلك في سندِ الإمام النَّووي، الَّذي كان على درجة عاليةٍ من التَّصوفِ الرَّبَّانيِّ والتحقيق، فسندُ روايتِه لصحيح مسلم فيه كثير من أئمة التَّصوف.
وفي كتاب «طبقات الحفَّاظ» للإمام الذهبي- وهو مَن هو في علوم الحديثِ والأسانيد- يذكر العشراتِ من أهل التَّصوفِ من الحفَّاظ الذين اتَّصل سندُ روايتهم للحديث برسول الله ﷺ، ووصلت إلينا أحاديثه ﷺ عن طريقِهم، فعلى سبيل المثال:
«اليونيني: الشيخُ الفقيهُ القدوةُ الحافظُ الإمامُ تقيُّ الدِّين أبو عبدالله محمد بن الحسين… لبسَ الخِرقةَ من الشيخ عبدالله البطائحي صاحب الشيخِ عبدالقادر وصَحِبَ الشيخَ عبدَالله اليونيني».
تذكرة الحفاظ (4/1439) لشمس الدين أبي عبدالله محمد بن أحمد بن عثمان بن قَايْماز الذهبي – المحقق: عبدالرحمن بن يحيى المعلمي اليماني-دار الكتب العلمية- بيروت-لبنان.
يتحدَّثُ عن سنة ثمانٍ وأربعين وثلاثمائة فيقولُ: «وفيها ماتَ كبيرُ الصُّوفية المحدِّث جعفرُ بن محمد بن نصير الخُلديِّ ببغداد». المصدر السابق (3/ 869) «محمدُ بن داودَ بن سليمان، الحافظُ الزَّاهد الحجَّة شيخُ الصُّوفية أبو بكر النَّيسابوري». المصدر السابق (3/901)
«الماليني، الحافظُ العالم الزَّاهد أبو سعد أحمدُ بن محمَّد بن أحمدَ بن عبدالله… جمعَ وحصَّل من المسانيد الكِبار شيئًا كثيرًا، وكان ثِقةً متقنًا صاحبَ حديثٍ، ومن كبارِ الصُّوفية، له كتاب أربعين التَّصوف». المصدر السابق (3/1070) ويتحدَّثُ عمَّن ماتَ في سنة إحدى وسبعين وثلاثمائة فيقول الذهبي: «والقدوةُ أبو عبدالله محمَّد بن خفيف الصُّوفيِّ شيخُ بلادِ فارس». المصدر السابق (3/950)
وبالتَّتبعِ لجميعِ تراجمِ أسانيدِ كتبِ الحديث المتَّصلة ستجدُ كثيرًا من رجالِ الحديث من الصُّوفيةِ السالكين، وعلى سبيل المثال: الشاه أحمد وليُّ الله بن عبدالرحيم الدَّهلوي، كان حنفيًّا من أهل الطَّريقة النَّقشبندية، وله من الكتب في التَّصوف والسُّلوك الكثير، ولا يوجد لمحدِّثي الهند إسنادٌ يعتبرون به في الحديث أقوى من أسانيد الشاه ولي الله، والتي أخذها عن مشايخه من أهل الحرمين مكةَ والمدينة، وكلُّ أسانيد كُتب الحديث المتداولة في الهند وعن علماءِ الهند حتى مَن ينتسبُ منهم للسَّلفية تصبُّ وتنتهي لهذا الإمام الصوفيِّ.
ومع الأسف نجدُ أنَّ بعض مَن يحقِّقون الكُتب يحذفون الأقسامَ التي تَذكر أسانيدَ التَّصوفِ والمتصوِّفة، أو يَعملُون على التَّعمية عليهم، ولكن والحمد لله كتبُ التراجِم والسِّير شاهدةٌ بجهود أهل التَّصوف في حفظِ وإيصال سُنَّة رسول الله ﷺ إلى المسلمين.
الصُّوفية وعِلم أصول الفقه: وفي عِلم أصولِ الفقه نجدُ أنَّ أعلام هذا العِلْم- الذي يَحفظ ويُؤصِّل تدوينَ وتنظيمَ شريعة الإسلام- أغلبُهم من أهل التَّصوُّف والسُّلوك إلى الله، الذين حَفِظَ اللهُ بهم شريعةَ الإسلامِ، ونذكرُ منهم على سبيل المثال لا الحصر ممَّن لهم التَّصانيف الكثيرة واليدُ الطُّولى في هذا العلم. الإمامُ أبو حامدٍ الغزالي حُجَّةُ الإسلام. العزُّ بن عبدالسلام سلطان العلماء. تقي الدِّين السُّبكي. تاج الدين السبكي صاحب جمع الجوامع وغيره من كتب الأصول. جلال الدِّين المحلِّي. جلال الدِّين السُّيوطي. زكريَّا الأنصاري شيخ الإسلام. ابن عابدين الفقيه الحنفي صاحب الحاشية. فهذه أمثلةٌ فقط – وإلا فإن القائمة تطول جدًّا – لبعض عُلماء أُمَّة الإسلام ممَّن كانوا من أهل التصوف والسُّلوك والطريق وبرزوا في عِلم أصول الفقه، وهو العلمُ الذي عليه مدار حِفظ وفهم مصادر شريعةِ الإسلام. الصوفية وعلم التوحيد: وفي علم التَّوحيد والكلام: كان لعلماءِ الكلام من أهل التَّصوف دورٌ كبيرٌ في حِفظ العقائد والذَّبِّ عن الإسلام، ومصنَّفاتُهم تشهدُ بذلك مثل: كتب حجة الإسلام أبي حامد الغزالي وأثرها في حِفظ العقيدة والردِّ على الفلاسفة والفرقِ الضَّالة كثيرة جدًّا. سعد الدِّين التَّفتازاني. تقيُّ الدِّين السُّبكي. تاجُ الدين السبكي. إبراهيم اللَّقاني صاحب الجوهرة. أحمد الدردير صاحب الخريدة البهية. إبراهيم البيجوري.
وفي باقي علومِ الإسلام من فقهٍ ولغةٍ وتراجِم وتاريخٍ وغيرِ ذلك تجدُ أنَّ كثيرًا من المبرَّزين في هذه العلوم والفنون كانوا من أهل التَّصوف والسُّلوك إلى الله تعالى، فكيف يزعم زاعمٌ بعد ذلك أنَّ التَّصوف وأهلَه بعيدون عن شريعة الإسلام، فهذه كتبُ التَّاريخ والتراجِم والسِّير شاهدةٌ لمنهج التَّصوف وعلماءِ الصُّوفية بالسَّبق والفضلِ في العلوم كافة، ويكفيك أنْ ترجعَ لكتاب «سير أعلام النُّبلاء» للذَّهبي وترى العدد الكبير من أفاضلِ العلماء والمشايخ قد وُصفوا بالصُّوفي الكبير، أو بإمامٍ من أئمة التَّصوُّفِ، أو بلُبسِ خِرقة التَّصوف والسُّلوك.
الخاتمة
وبعد هذا العرض الموجز الذي أردنا فيه بيان أصالة التصوف في الشريعة الإسلامية أحببنا في نهاية هذا العرض أن نُشيرَ إلى أمرين مهمين يتعلقان بتلك الأصالة:
الأمر الأول: بيان أنَّ الممارسات الخاطئة التي تحدث ممن ينتسبون للتصوف بشكل عام ليست من التصوف؛ فقد التحقَ بالصُّوفيَّةِ بعضُ المدَّعين ممَّن لا عِلم لهم بكتابٍ ولا سُنَّةٍ وليس لهم من الالتزام بالشَّريعة وأحكامِها نصيبٌ كبيرٌ، وأيضًا هناك من الجُهلاء المخدوعِينَ الذين لُبِّسَ عليهم أمرُ التَّصوفِ فابتعدوا عن حقيقتِه، فهذه الطوائف هي التي تُشوِّهُ صورةَ التَّصوُّفِ الإسلاميِّ الصَّحيحِ، بل ومنهم مَنْ يتَّخذُ من دعوى التَّصوفِ سُلَّمًا لتحصيل أغراضِهم وشهواتِهم، وابتدعوا فيه بِدَعًا ما أنزل الله بها من سلطان، وقد عرفتَ أخي المسلم حدودَ وضوابطَ التَّصوُّف، فأنتَ على بينةٍ من أمرِكَ حتى لا يدَّعي أحدٌ أنَّه متصوفٌ وهو غير ملتزمٍ بتلك الحدود والضَّوابط فهذا دَعيٌّ كذَّابٌ، فمَن تحلَّل من الشَّريعة فليس في قلبه مكانٌ للحقيقة الصُّوفية ومن الظُّلم أن يعترضَ بعضُ النَّاس بفِعْل هؤلاء الجهلةِ ويجعلَه حُجَّةً على التَّصوفِ والصُّوفيةِ، فما التَّصوُّف إلا اتِّباعُ الكتاب والسُّنة، وما الصُّوفية إلا قومٌ جاهدوا أنفسهم في الله فهداهم الله. فليس من التَّصوُّف الإسلاميِّ الكذبُ على الله، والدعاوى العريضة، والبلادةُ والبطالةُ والجهالةُ بدِين الله وادِّعاءُ الولايةِ والمتاجرةُ بالكرامات، وليس منه ما يحدثُ في الموالد من اختلاطٍ محرَّمٍ وطبلٍ وزَمْرٍ، وليس من التَّصوف ادِّعاءُ الغيبِ والدَّجلُ والشَّعوذةُ، فكلُّ هذه الممارسات لا تمتُّ للتصوف بصلةٍ، وإنَّما هي أفعالٌ محرَّمةٌ في الشَّريعة فضلًا عن أن تكونَ من التَّصوُّفِ وسلوكِه.
ويُوجَّه للتَّصوُّف تهمةُ الغلوِّ في الأشخاص والشُّيوخ، وتلك دعاوى لا نصيبَ لها من الصِّحَّة إلا ما يقعُ من الجهلاء في حقِّ مَن يدَّعون المشيخة؛ لأنَّه ما من شيخٍ صوفيٍّ إلا وهو يَضرب المثلَ الأعلى في السَّير على النَّهج المُحمَّديِّ والطَّريق المُصطفويِّ الذي كان عليه رسولُ الله ﷺ في تعامُلِه مع النَّاس، فالشيخُ الصُّوفيُّ الحقُّ هو مَن يدلُّ المُريدَ الصُّوفيَّ على الله لا على نفسِه، ويبذل نفسَه ومالَه للنَّاس متواضعًا، فرسولُ الله هو قدوتُه في ذلك، أمَّا الأدعياءُ فليس لهم من التَّصوف إلَّا الرُّسومُ، وليس لهم من حقيقةِ التَّصوف نصيبٌ ولم يَشَمُّوا لطريق السُّلوك إلى الله غُبارًا، فالتَّصوفُ بريءٌ مِن أيِّ سلوكٍ أو فعلٍ لا يتفقُ مع شريعة الإسلامِ أصولًا وفروعًا، فهذا ليس من التَّصوف في شيءٍ، فما التَّصوفُ إلا تحقيقُ العبودية لله سبحانه وتعالى في أعلى صُورها، وأن يكون الله هو القصد والمُنتَهى عند كلِّ صوفيٍّ صادقٍ.
الأمر الثاني: وهو حاجة المسلم إلى التَّصوف كمنهجٍ تربويٍّ وسلوكيٍّ؛ فالمسلم بعد أن يتعرفَ على حقيقة التَّصوُّف، وأنه هو رُوح الإسلام وجوهره، ويتعرَّف على تراجِم وسِيَر أهلِ التَّصوفِ وسلوكِهم يجد نفسَه منجذبًا إلى سلوك هذا الطَّريق الذي يُلبِّي كافَّةَ احتياجاته النَّفسيةِ والرُّوحيةِ والقلبيةِ فهو أصل التَّربية الرُّوحية، فيعيد للإنسان المسلم تشكيل شخصيته على أساس إنسانيٍّ وأخلاقيٍّ، فتنسجم النَّفسُ البشرية مع الكون حولَها، ويصحُّ القلب ويصبح موصولًا بربِّ العالمين، وآثار ذلك كلِّه تنتج من المجاهدات الصُّوفيةِ من الذِّكر والفِكر والعبادات وحُسنِ الخُلُق وتَتَبُّعِ سُنَّةِ رسول الله ومحبَّته ومحبة عبادِ الله الصَّالحين، فيجد المرءُ قلبَه قد لان وتَشِيعُ في نَفْسِه السَّكينةُ والهدوءُ ويصبح هادئَ الطِّباع مع النَّاس لينًا معهم نافعًا لهم بقدر استطاعته، وتحلُّ بقلبِه أنوارُ ذِكر الله، فتحدث له الطُّمأنينة التي هي جَنة القلوبِ ونعيمُها، ثم ينعكس ذلك كلُّه على علاقته بمَنْ حوله ومجتمعه، فلا يكون في مكانٍ أو زمانٍ إلَّا وهو مصدرٌ للخير والعطاءِ والبهجةِ وبابٌ لدعوة الخَلْق إلى ربِّهم من خلال العملِ قبل القول والحالِ قبل المقالِ، فلنطبق التَّصوفَ في حياتِنا يا عبادَ الله ملتزمين بفرائض ربِّنا ذاكرينَ له على الدَّوام، ولنعوِّد قلوبَنا أن تكون على الدَّوام موصولةً بخالقها، ونتسم بالرفق في أمورنا كلِّها صغيرها وكبيرها، محققين قولَ رسول الله ﷺ: «إنَّ الرِّفقَ لا يكونُ في شيءٍ إلَّا زَانَه، ولا يُنزعُ من شيءٍ إلَّا شَانَه».
أخرجه مسلم في كتاب البر والصلة والآداب، باب فضل الرفق (2594) من حديث عائشة رضي الله عنها.
فالتصوُّف هو حبل النَّجاة في هذا العصر الذي تتلقف فيه الأهواءُ من اليمين والشمال قلوبَ وعقولَ النَّاس على اختلاف أفكارِهم وطبقاتهم، فالعودة لأسلوب الشيخ والتِّلميذ في التَّربية أو الشيخ والمريد من أنفع الأساليب لهداية الخَلْق والحفاظ عليهم من أيِّ تفكيرٍ منحرفٍ أو انحرافٍ في السُّلوك والأفعال، فلقاءُ المُريد بشيخِه ولو كان لوقتٍ قليلٍ أسبوعيًّا في لقاء رُوحانيٍّ صُوفيٍّ يصل القلبَ بالله ويرتبط الإنسانُ فيه بشيخِه، فتنشأ بينهم الرَّابطة الرُّوحية التي يستمد منها المريدُ الطَّاقةَ لتضعه على المنهج الربَّانيِّ الصحيحِ مع محافظة الصُّوفيِّ على الذِّكر والتَّعبدِ والأورادِ، فلا يُتصوَّر بعد ذلك أنَّ شخصًا كهذا تتسلَّل له أيُّ فكرةٍ أو منهجٍ خبيثٍ سواء على المستوى الشَّخصي أو مستوى المجتمع، فشَمِّرْ أخي الكريم عن ساعدَيك واتَّجه إلى ربِّك ومولاكَ، واتَّخِذْ من التَّصوف طريقًا إليه، وسوف تجد أنَّ حياتَك قد تغيَّرت بفضل التَّصوف إلى ما تُحبُّه وترضاه، وقبل ذلك إلى ما يحبُّه الله ويرضاه.
(المصدر: موسوعة تصحيح المفاهيم والأفكار في قضايا حارت فيها الأمة وفقًا لمنهج أهل السنة والجماعة لفضيلة الشيخ أشرف سعد الأزهري (1 / 89-98). …يتبع إن شاء الله