الفرق بين النقد والنقض وأدب المخالفة العلمية


بقلم الشيخ : محمود البردويلى

 الفرق بين النقد والنقض وأدب المخالفة العلمية:

كثيرٌ من الناس لا يُفرّقون بين النقض والنقد؛ فإذا انتقد أحدٌ قولًا لعالمٍ من العلماء، انهالوا عليه بالتوبيخ، واتهموه بسوء الأدب! لا لشيءٍ إلا لعلوّ مقام ذلك العالم، أو تقدّمه في العلم، حتى كأنهم يجعلون له نوعَ عصمةٍ تمنع من نقد قوله أو مراجعته!

وهذا خللٌ ظاهر؛ فإن العصمة ليست لأحدٍ بعد رسول الله ﷺ، وأما غيره فـيُؤخذ من قوله ويُردّ، كائنًا من كان.

وقد تقرر عند أهل العلم أن الحق لا يُعرف بالرجال، وإنما يُعرف الرجال بالحق، فلا يُقبل القول لتقدّم قائله، ولا يُردّ لتأخره، وإنما المدار على الدليل والنظر العلمي المحقق.

والفرق بين النقد والنقض دقيقٌ مهم:

فـالنقد: تقويمٌ وتمييز، يُبيّن وجه الصواب والخطأ في القول، مع حفظ قدر القائل، والتزام أدب الخلاف.

وأما النقض: فهو إبطال القول من أصله وردّه جملةً، وقد يُحتاج إليه في موضعه، لكنه ليس هو الأصل في التعامل مع أقوال أهل العلم.

ولهذا كان دأب المحققين: نقد الأقوال مع تعظيم أصحابها، فيُخطّئون بلا تبديع، ويردّون بلا انتقاص، ويخالفون مع حفظ المقامات.

تنبيهٌ مهم: لا يُفهم من هذا الكلام فتحُ الباب لتجرّؤ صغار الطلبة أو الجهّال على أكابر العلماء؛ فإن النقد ليس حقًّا مشاعًا لكل أحد، بل هو منوطٌ بالأهلية من علمٍ وفهمٍ وآلةٍ، ومعرفةٍ بمواقع الإجماع والخلاف، وطرائق الاستدلال.

فمن لم تتوفر له هذه الأهلية، فحقّه التعلّم والصمت، لا التصدّر والاعتراض.

وقد عُرف في كل زمانٍ غوغاءُ يتكلمون بغير علم، لا يفهمون كلام العلماء، ثم يتجرّؤون عليهم ويطعنون فيهم، فهؤلاء يُزجرون عن ذلك، صيانةً للعلم وأهله.

والأمر في الحقيقة يحتاج إلى رسالةٍ مستقلة تُحرّر الفرق بين الناقد والناقض، وتضبط حدود الأدب في النقد العلمي، حتى لا يُجعل تعظيم العلماء مانعًا من بيان الحق، ولا يُتخذ النقد ذريعةً للتطاول عليهم.