ستٌّ من شوال طريقك إلى أجر العام كلّه بعد رمضان

بقلم د . محمد سعد الواعظ بالأزهر الشريف

ما إنْ يُسَلِّمَ المُسلمُ من شهر رمضان، ذلك الموسم العظيم الذي امتلأت فيه القلوب إيمانًا، وتزكَّت فيه النفوس بالصيام والقيام، حتى يظنَّ بعض الناس أنَّ أبواب الطاعات قد أُغلِقَت، وأنَّ ميدان السباق قد انتهى، ولكن الحقيقة أنَّ رمضان ما هو إلا بداية لطريقٍ طويلٍ من القُرب إلى الله تعالى، ومن أعظم ما يُعين على الاستمرار في هذا الطريق: صيام ستة أيام من شهر شوال.

لقد رغَّب النبي ﷺ في هذه العبادة ترغيبًا عظيمًا، وجعل أجرها عظيمًا يفوق تصوُّر كثير من الناس، فقال:«من صام رمضان ثم أتبعه ستًّا من شوال كان كصيام الدهر».

وهذا الحديث يفتح باب الأمل لكل مسلم، إذ يجعل العمل القليل في الظاهر عظيمًا في الميزان، فصيام رمضان بعشرة أشهر، وصيام ستة أيام بشهرين، فيكتمل بذلك أجر سنة كاملة، وكأن العبد صام الدهر كله.

وهنا تظهر رحمة الله الواسعة بعباده، حيث ييسِّر لهم أبواب الأجر، ويضاعف لهم الحسنات، ويمنحهم فرصًا متجددة ليجبروا تقصيرهم، ويرتقوا في درجاتهم. فكم من صائمٍ في رمضان لم يُحسن صيامه كما ينبغي، أو غفل قلبه في بعض الأيام، فجاءت هذه الستُّ من شوال كنافلةٍ تُرمِّم الخلل، وتُكمل النقص، وتُعيد للنفس توازنها.

ومن الحكم العظيمة في صيام هذه الأيام أنها تُربي النفس على الاستمرار، فليست العبرة بأن تكون عابدًا في رمضان فقط، وإنما العبرة أن تظلَّ على طريق الطاعة بعده. فإنَّ ربَّ رمضان هو ربُّ شوال، وربُّ سائر الشهور، والطاعة لا تنتهي بانتهاء موسم، بل هي حياة يعيشها المؤمن في كل حين.

كما أنَّ صيام الست من شوال يُعَدُّ علامةً من علامات قبول العمل، فإنَّ من علامات القبول أن يُوفَّق العبد للطاعة بعدها، وأن يجد في قلبه رغبةً في الاستزادة من الخير، لا فتورًا ولا انقطاعًا. قال بعض السلف: “ثواب الحسنة الحسنة بعدها”، فاجعل من هذه الأيام شاهدًا لك لا عليك.

وأما عن كيفية صيامها، فإن الأمر فيها واسعٌ بحمد الله، فيجوز صيامها متتابعة أو متفرقة خلال شهر شوال، بحسب ما يتيسر للإنسان، غير أن المبادرة بها بعد يوم العيد أدعى للهمة، وأقرب إلى المسارعة في الخيرات. لكن ينبغي التنبيه إلى أمر مهم، وهو أن من كان عليه قضاء من رمضان، فالأولى أن يبدأ بالقضاء حتى يصدق عليه أنه صام رمضان كاملًا، ثم يتبع ذلك بصيام الست.

ولا ينبغي أن ننظر إلى هذه الأيام على أنها عبءٌ إضافي، بل هي فرصةٌ ربانية، ومنحةٌ إلهية، تُعيد للنفس صفاءها، وللقلب نوره، وللعبد قربه من ربه. فالصيام ليس مجرد امتناع عن الطعام والشراب، بل هو تهذيب للنفس، وكسر للشهوة، وتربية على الصبر، ومراقبة لله في السر والعلن.

أيها المسلم، إن كنت قد ذقت حلاوة الطاعة في رمضان، فلا تحرم نفسك من استمرار هذه الحلاوة، وإن كنت قد قصَّرت، فباب التعويض ما زال مفتوحًا، فلا تؤجِّل، ولا تتكاسل، فإن الأيام تمضي سريعًا، والعمر أقصر مما نظن.

اجعل لنفسك خطة واضحة لصيام هذه الأيام، وحدد متى تبدأ، ومع من تصوم، وكيف تُعين نفسك على الاستمرار، واحتسب الأجر عند الله، واستشعر أنك في عبادة عظيمة قد تكون سببًا في رفعة درجتك، وغفران ذنبك، ونجاتك يوم القيامة.

ستة أيام فقط… لكنها قد تكون سببًا في أن يُكتب لك أجر سنة كاملة، فهل تُفوِّت هذه الفرصة؟ أم تكون من السابقين إلى رحمة الله؟ 🌿