أيديولوجيا الاستباحة من النصل النجدي إلى التوحش المعاصر


بقلم  الكاتب و الأديب السوري: محمد نجيب نبهان

حين يُعاد تفكيك البنية العميقة لما يُسمّى بأيديولوجيا الاستباحة، يتبدّى أن المسألة ليست مجرد انحرافات سلوكية طارئة، بل منظومة مفاهيمية متماسكة، تتغذى من تأويلات مخصوصة للنصوص، وتعيد إنتاج ذاتها كلما توفرت لها شروط التمكين السياسي والعسكري، فالبدايات التي ارتبطت بدعوة محمد بن عبد الوهاب في قلب نجد لم تكن معزولة عن سياقها، لكنها في الوقت ذاته لم تكن محايدة في أدواتها، إذ قامت على إعادة تعريف مركزية التوحيد بطريقة نقلته من كونه أصلًا جامعًا للأمة إلى أداة فرز حاد بين “موحّد خالص” و”مشرك مستحق للإقصاء”، وهو انتقال بالغ الخطورة من الدائرة العقدية النظرية إلى المجال العملي التنفيذي، حيث تبرز مفاهيم مثل “نواقض الإسلام” لا بوصفها محطات فقهية للنقاش، بل كحدود فاصلة يُبنى عليها الحكم بالانتماء أو الخروج، ومن ثم ما يترتب على ذلك من آثار تتعلق بالدم والمال والعرض، وهو ما يتعزز أكثر حين تُقرأ هذه المفاهيم في ضوء التحالف الذي نشأ بين الدعوة والسلطة مع محمد بن سعود، حيث تحولت النظرية إلى مشروع دولة، وتحول التكفير من حكم ذهني إلى أداة سياسية توسعية، وفي هذا الإطار تكتسب أحداث مثل الهجوم على كربلاء عام 1802 والطائف عام 1803 دلالتها، لا بوصفها وقائع معزولة، بل كتجليات عملية لمنطق “إعادة تعريف الديار” الذي يجعل معيار الإسلام ليس مجرد الانتساب، بل مطابقة السلوك الجمعي لنموذج عقدي محدد، وهو ما يفتح الباب أمام توصيف مجتمعات كاملة بوصفها “ديار شرك” أو “ديار بدعة” تستوجب التصحيح بالقوة، وهي فكرة لها امتدادات في التراث الفقهي لكنها لم تُفعل تاريخيًا بهذا الاتساع إلا في سياقات محددة، وهنا يكمن التحول النوعي من الفقه إلى الأيديولوجيا

هذا البناء المفاهيمي لم يتوقف عند حدوده التاريخية، بل وجد طريقه إلى إعادة التشكل في العصر الحديث عبر تيارات السلفية الجهادية، حيث تم دمج هذا الإرث مع مفاهيم أخرى مستمدة من أدبيات الحاكمية والجاهلية، كما عند سيد قطب، ليُعاد إنتاجه في صورة أكثر شمولية وحدّة، وهو ما يتجلى بوضوح في خطاب تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) الذي لم يكتفِ باستعادة مفاهيم التكفير، بل وسّعها إلى درجة تحويل العالم إلى ثنائية مغلقة لا تقبل القسمة: فسطاط إيمان وفسطاط كفر، دون مساحات رمادية، ودون اعتبار لتعقيدات الواقع الاجتماعي والسياسي، وهنا تظهر فكرة “التكفير بالتسلسل” بوصفها أحد أخطر الأدوات المفاهيمية، حيث لا يتوقف الحكم عند “المشرك” المفترض، بل يمتد إلى من لم يكفّره، ومن لم يكفّر من لم يكفّره، في سلسلة لا نهائية تُفضي عمليًا إلى استباحة جماعية، وهو ما شهدته مناطق واسعة في العراق وسوريا بعد 2014، حيث تحولت مدن مثل الموصل والرقة إلى مختبرات لتطبيق هذا المنطق، تحت غطاء إعادة “الخلافة” وتطهير الأرض من “الردة”

وإذا كان من الضروري الإشارة إلى أن هذا الامتداد ليس تطابقًا ميكانيكيًا بين الوهابية التاريخية وهذه التنظيمات، فإن تجاهل الخيوط المفاهيمية المشتركة يُعدّ بدوره تبسيطًا مخلًا، فثمة عناصر بنيوية انتقلت، وأخرى تم تضخيمها، وثالثة أُعيد تأويلها ضمن سياق مختلف، ما يجعل العلاقة أقرب إلى “التحوير الأيديولوجي” منها إلى “الاستنساخ الحرفي”، ومع ذلك فإن النتيجة النهائية تتقاطع في نقطة مركزية هي تحويل الاختلاف العقدي إلى مبرر للاستباحة، وهو ما يتعزز أكثر حين يُعاد تعريف مفهوم “العبادة” ليشمل كل صور الامتثال، بما في ذلك الانتماء السياسي أو الخضوع للقانون الوضعي، فيتحول “الشرك” من مفهوم ديني محدد إلى أداة شاملة لنزع الشرعية عن كل بنية حديثة، وهو ما يفسر كيف اعتبرت هذه التنظيمات الدول الوطنية “طواغيت” تستوجب الهدم، وكيف أصبح مجرد الانخراط في مؤسساتها سببًا كافيًا للحكم بالردة

أما على المستوى النفسي والاجتماعي، فإن هذه المنظومة تُنتج نمطًا خاصًا من الوعي، يمكن وصفه بوعي “القطيعة الكلية”، حيث تُلغى الروابط الطبيعية من قرابة وجوار ومواطنة، لصالح رابطة وحيدة هي “نقاء العقيدة” كما يُتصور، وهو ما يجعل الفرد مستعدًا لتجاوز كل الحواجز الأخلاقية في سبيل تحقيق هذا “النقاء”، وتظهر هذه الحالة بوضوح في ممارسات العنف المفرط التي تبنتها تنظيمات مثل داعش، من الذبح العلني إلى الحرق، والتي لم تكن مجرد وسائل قتل، بل أدوات ترويع مقصودة، تندرج ضمن ما يمكن تسميته بـ”سيكولوجيا النكاية”، أي استخدام العنف بوصفه رسالة رمزية تهدف إلى كسر إرادة الخصم قبل القضاء عليه، وهي استراتيجية لها جذور في بعض أدبيات التراث، لكنها بلغت ذروتها في الإخراج الإعلامي المعاصر عبر منصات مثل مجلتي “دابق” و”رومية”، حيث يتحول العنف إلى خطاب بصري يعيد إنتاج نفسه ويجذب عناصر جديدة

غير أن الإشكال المنهجي في كثير من القراءات يكمن في الوقوع في التماثل الكامل بين كل من ينتسب إلى هذه المدارس وبين هذه الممارسات، وهو ما يعيد إنتاج نفس منطق التعميم الذي تقوم عليه الأيديولوجيا المنتقدة، إذ لا يمكن إغفال أن داخل التيار السلفي نفسه تيارات متعددة، بعضها يرفض التكفير جملة وتفصيلًا، وبعضها يقيده بشروط صارمة، بل إن مؤسسات دينية رسمية في بلدان تتبنى هذا المذهب أعلنت صراحة رفضها لممارسات التنظيمات الجهادية واعتبرتها خروجًا على الشريعة، وهو ما يفرض ضرورة التمييز بين “البنية النظرية” و”التطبيق المتطرف”، وبين “التيار” و”الانشقاق العنيف” عنه

في المحصلة، فإن ما يُسمّى بأيديولوجيا الاستباحة لا يمكن فهمه إلا بوصفه تفاعلًا معقدًا بين نصوص مؤولة، وسياقات سياسية، وشروط اجتماعية، حيث تتحول المفاهيم الدينية إلى أدوات صراع، ويُعاد تشكيلها بما يخدم مشروع الهيمنة، وفي هذا الإطار يصبح التحدي الحقيقي ليس في إدانة العنف بوصفه نتيجة فحسب، بل في تفكيك الآليات التي تجعله ممكنًا ومشروعًا في نظر أصحابه، وهو ما يتطلب قراءة نقدية صارمة، ترفض التعميم بقدر ما ترفض التبرير، وتفصل بين الدين بوصفه منظومة قيمية، وبين توظيفه الأيديولوجي الذي يحوله إلى أداة استباحة مفتوحة على كل الاحتمالات الدموية