فوضى انصاف المتعالمين فى وسائل التواصل الاجتماعي
16 مارس، 2026
أخبار العالم الإسلامى

بقلم د/ مصطفى طاهر رضوان
عضو هيئة التدريس بقسم العقيدة والفلسفة
كلية أصول الدين والدعوة ـ جامعة الأزهر
من بلايا هذا العصر، ومن مصائب وسائل التواصل الاجتماعي، أنها جعلت الكلام مباحًا لكل أحد في كل شيء، وفي كل وقت؛ حتى توهم كثير من الناس أن مجرد امتلاك حساب على منصة تواصل اجتماعي كالفيس بوك، والقدرة على الكتابة عليه يمنح صاحبه حق الخوض في أعقد القضايا وأخطرها، فيهرف بما لا يعرف، ويتكلم فيما لا يحسن، ويجاهر بازدراء التخصص وكأن العلم فوضى مشاعة.
ولو سألته عن مسألة هندسية، أو عن صنعة نجار أو مهارة نحات، لقال لك في أدب مصطنع: اسأل به خبيرًا، أو فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون، أما حين يتعلق الأمر بالعقيدة والفكر وقضايا الأمة الكبرى، فإن هذا الأدب يتبخر فجأة، وتتحول الميادين إلى كلأ مباح، يتصدرها من لا علم له إلا رفع الصوت وإجادة الصياح.
ومن دلائل الجهل بالدين، ومخاصمة العلم عن بينة، إنكار مبدأ التخصص الذي قرره الإسلام منذ فجره الأول، فقد قال النبي ﷺ: «من تطبب ولم يكن بالطب معروفًا فأصاب نفسًا فما دونها فهو ضامن» (متفق عليه)، فإذا كان هذا في طب الأجساد، فكيف بمن يتطاول على طب العقول والقلوب والعقائد؟ وكيف بمن يتدخل بلا تثبت أو بينة في المسائل العقدية والفكرية الكبرى لمجرد أنه قرأ كلمتين فتوهم أنه أصبح متكلما قديرا أو فيلسوفا كبيرا؟!
إن ما تخلفه بعض المقالات والآراء والمنشورات من عاهات فكرية لا يقل خطره عن العاهات البدنية، بل قد يكون أشد أثرًا وأبقى جرحًا.
وإن تدخل أنصاف المتعلمين في قضايا الفكر والعقيدة خاصة لا يزيد الأمة إلا فرقة، ولا يورثها إلا تمزقًا واضطرابًا.
فهلا يتوقف من قرأ كتابًا أو كتابين ليعرف قدر نفسه؟ وهل يصعب عليه أن يدرك أن المسائل الكبرى لا تُقتحم بالجرأة الفارغة، ولا تُدار بالثقافة السطحية؟
ليت كثيرًا من المتحمسين للدعوة يلزمون مساحتهم الطبيعية: يذكرون بالله، ويرققون القلوب، ويتركون قضايا الفكر العميقة ومسائل الأمة الكبرى لأهلها من العلماء المتخصصين، فليس كل من أمسك هاتفًا صار مفكرًا، ولا كل من كتب منشورًا صار عالمًا.